السلمي
380
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ « 1 » . وسيماهم هو الانقياد للأوامر بحسب الطاقة ، والرضاء بالموارد ، والكون في كل وقت بحكمه ، ووصفهم اللّه تعالى في موضع آخر فقال اللّه جلّ وعلا : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً « 2 » . وأخبر عن صفتهم أنّهم لا يرجعون إلى مادة ، ولا إلى معلوم ، بل عمدتهم واعتمادهم على فضل اللّه تعالى . وهم الذين تعرّوا من أفعالهم وأوصافهم وأقوالهم وأذكارهم وطاعاتهم ، فلم يطمئنوا إلى شيء من ذلك ، ولا نظروا إليه لفنائهم عن جميع أوصافهم أجمع . وآدابهم التي بلغتهم هذا المقام وهذه الرتبة : رياضتهم بأنواع الرياضات بداية « 3 » وقبل ذلك بتصحيح التوبة ، وتمام الزهد ، والإعراض عن الخلق وعن الدنيا وأهلها ، والتخلّي مما ملكوه ، وهجران المألوفات ، والتقطع في الأسفار ، ومخالفة الشهوات الظاهرة ، ومراقبة الأسرار الباطنة ، واحترام المشايخ ، وخدمة الإخوان والأصحاب والإيثار بالأرفاق ، والنفس والروح ؛ ودوام المجاهدات في كل الأوقات ، والنظر إلى كل ما يبدو منه وعليه من أفعاله وأحواله بعين الاحتقار والإزراء . ثم الارتقاء من هذه الدرجة إلى مطالبة النفس بالتوكل على اللّه تعالى في جميع أموره . [ الرياضة : أقلّ التوكل الثقة في الرزق ] وأقلّ التوكل الثقة في الرزق . وأصله الرجوع إلى اللّه عز وجل من جميع الأشياء ، فلا يرى ضارّا ولا نافعا سواه . ثم بعد ذلك اليقين ،
--> ( 1 ) سورة البقرة : 273 . ( 2 ) سورة الحشر : 8 . ( 3 ) في الأصل : بداة .