السلمي
22
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
فإن لم تؤثر الأعمال في القلب ولم تبعث فيه الخشوع ، والرقة ، والرحمة ، والمحبة ، والرأفة ، ولم تحسّن الأخلاق فليست هي من الأعمال الصالحة التي مدح القرآن صاحبها ، وبشره بالجنة . إذ ليس الغرض من العمل مجرد القول ، أو تكرار الألفاظ بلا شعور ، أو حركة بلا وعي ، وإنما الغرض الأصلي منه التقوى . لذلك قال تعالى : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ( أي لحوم البدن التي ذبحت للّه ) وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ « 1 » . إنما الإسلام إيمان يؤدّي إلى الأعمال الصالحة ، والأخلاق الطيبة : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ « 2 » . فمن لم تحسن صلاته أخلاقه ، ولم تنهه عن الفحشاء والمنكر ، فهي ليست من الصلاة التي وصفها القرآن . وهناك أحاديث كثيرة تؤيد هذه الآيات ، منها قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب » « 3 » . لقد أمر اللّه تعالى نبيه بالذكر والتبتل بقوله : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا « 4 » . والتبتل يحتوي على معنى الزهد في التصوف . ووصف اللّه تعالى الزهاد بقوله : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ « 5 » .
--> ( 1 ) سورة الحج : 37 . ( 2 ) سورة العنكبوت : 45 . ( 3 ) البخاري ، إيمان 39 ، ومسلم ، مساقاة 107 ، وابن ماجة ، فتن 14 . ( 4 ) سورة المزمل : 8 . ( 5 ) سورة التوبة : 112 .