السلمي
23
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
زعم المستشرق نيكولسون بأن كتّاب الزهد قد أخرجوا الكلمات الواردة في القرآن مثل الذكر والتوكل عن معانيها الأصلية فأولوها على حسب ذوقهم ورأيهم ، بينما ورد الذكر في القرآن بمعنى الصلاة « 1 » . ولا يجوز قبول هذا القول ، لأن القرآن يشهد بأن الذكر يفيد معنى أشمل وأوسع من الصلاة ، إذ يقول سبحانه وتعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ « 2 » . ويقول : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ « 3 » . ويقول : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 4 » . وكون الإنسان يذكر اللّه على جنبه ليس بمعنى الصلاة ، بل الذكر هنا ذكر اللّه خارج الصلاة ، والتفكير في قدرته تعالى على خلق هذا الكون الهائل . كما يدلّ عليه قوله : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . نعم يتفكرون في قدرة الخالق في العالم العلوي والسفلي
--> ( 1 ) في التصوف الإسلامي ، الترجمة العربية : أبو العلا عفيفي : ص 45 ، القاهرة ، 1375 ه / 1956 م . ( 2 ) سورة آل عمران : 191 . ( 3 ) سورة النور : 37 . ( 4 ) سورة المائدة : 91 .