السلمي
163
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
وعلم التصوف مداره على ثلاثة أوجه : علم العبودية ، وعلم المعرفة ، وعلم الربانية . فعلم الربانية نفاذ المشية والأقدار ، وعلم المعرفة لسان المعاملة مع الافتخار ، وعلم العبودية التملك مع الاضطرار . كذلك حكي عن الجنيد رحمة اللّه عليه وبداية التصوف تمييز الوقت والنظر فيه والكون بإحكام الواجب عليك فيه على سرمد الأوقات . فلا يأتي عليه وقت إلّا هو مشتغل بواجب عليه فيه ، لا يخلو له وقت إلى الفراغة ، ولا يدخل أحد في بداية التصوف وعليه بقية من المجاهدة والرياضة . وإنما دخوله في التصوف بعد استفراغه الوسع في تصحيح المعاملات بالإخلاص وتقييد الأحوال . كما حكي عن الجنيد رحمه اللّه أنه قال : « لن يصل قلبك روح التوحيد وله عليك حق لم تؤدّه » . وكما سئل عمن لم يبق من الدنيا إلّا مقدار مص نواة فقال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . فإذا صحت له هذه المقدمات على الاختصار من غير استثناء دخل في التصوف . وللتصوف ثلاث مقامات : آداب وأخلاق وأحوال . فالآداب اكتساب ، والأخلاق قدوة والأحوال موهبة . فمن آدابه تذليل النفس ، فمن كرمت عليه نفسه هان عليه دينه ، والتخلّي من الدنيا ، ومنع النفس عن مراداتها ، والتأدب بإمام ناصح ، وقبول ما يشير عليه ، وعمارة الأوقات بما هو أولى ، وتعظيم حرمات المسلمين ، والحرص على خدمة المشايخ ، وترك طلب الرخص من اختلاف العلماء ، والتمييز في أخذ الأضداد ، وقلّة دخول الأسواق ، والتنزه عن صحبة أبناء الدنيا ومخالطتهم ، وتأديب الأصحاب بالشفقة ، والتعفف عن السؤال ، وحفظ اللسان عن الجفاء ، وقصد البقاع المباركة ، وترك صحبة الأحداث ، والتباعد من