السلمي
161
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
والغبرة فيكون شرههم في المراعاة والمراقبة ، فيؤدبهم بردهم إلى السنن والمجاهدة والأخلاق والآداب . فلا يخلو لهم وقت عن زيادة ظاهرا وباطنا . ويؤدبه هذا المقام إلى مشاهدة ما يرد على قلبه وسره وروحه من الزوائد ، فيجول في ميادين الأنس باطنا ، وظاهرا في ميادين الخدمة . ويطالب أحوال الباطن بالحقائق ، ومجاهدة الظاهر بالإخلاص والصدق ، فيزيله عن شغله بأحواله وأوقاته والتذاذه بها بالاشتغال بالخلق وما هم فيه ، تأنّسه بربه وتروحه بخدمته ، فيكون مهيبا في أعين العوام ، عظيما في أعين الأشكال ، قريبا منهم بشخصه بعيدا منهم بحاله . وهو طرف من أحوال القبض والبسط الذي أشاروا إليه . وهذا المقام يسميه الصوفية مقام الحرية وهو أن يكون حرا عن جميع ما استعبد الخلائق من الأكوان وما فيها بالتزين بإخلاص العبودية لسيده ، فإذا بلغه دخل في محلّ الأمناء فأشرف إذ ذاك على الأسرار وصار مكلّما ومحدّثا وصاحب فراسة ، ويطلع إذ ذاك على شيء من المغيبات لأمانته ، وأشرف على مقام المريدين وأحوال العارفين . وهذا منتهى الولاية . ثم تظهر له الكرامات بإجابة الدعوات وبلوغ الطلبات ، لأن اللّه سبحانه لا يطلق لسانه بالدعاء والسؤال إلّا إذا قضى كونه ، ولا يبسط يده في انقلاب الأعيان إلّا إذا أراد إيصاله منه إلى مراده . ثم يدخل في مقام أنوار القسم . كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللّه لأبرّه » « 1 » .
--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك : 4 / 328 ، وأبو نعيم في الحلية : 1 / 7 بفرق « تنبو عنه أعين الناس » مكان « لا يؤبه له » عن أبي هريرة وابن حنبل ومسلم بلفظ رب أشعث مدفوع الأبواب لو أقسم على اللّه لأبره . انظر : الجامع الصحيح لمسلم ، -