السلمي

154

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

صفاء الظاهر والباطن من كلّ دنس . فإذا صفى في إرادته صوفي في صفائه فسمي صوفيا . وإذا دخل في أوائل التصوف كان أشد مواظبة على الأوراد منه في حال الإرادة . لأنه كان في حال الإرادة تعبا مجاهدا وهو في حال التصوف مستروح فيه ، لأنه صار مرادا بعد أن كان مريدا ، ومحمولا بعد أن كان حاملا . فتراه دائم المجاهدة ، ملازما للعبادة ، مستعملا للسنن ، معتقدا أصح اعتقاد ، لازما لطريق أئمته ومشايخه ، مباينا لمن يخالفه ويخالف أئمته ، فإن الصوفي من يكون أفعاله ، قدوة المريدين . فيراه إذا دخل في التصوف مستبشرا بعد أن كان عابسا ، وضاحكا بعد أن كان باكيا ، ومنبسطا بعد أن كان منقبضا ، ومتواضعا بعد أن كان متكبرا . قد أباح ظاهره للخلق أكلا وشربا ومجالسة وعشرة ، وسماعا وغير ذلك . وضمن بباطنه أن يشرف عليه أحد كما كانت أخلاق المريدين وآدابهم ومجاهداتهم ظاهرة . فأول ما يجب على الصوفي أن يأخذ نفسه بالأدب ، ثم بالأخلاق ثم يمنّ اللّه تعالى عليه بالأحوال السنية ، فيكون شعاره بين الخلق البشر والانبساط والاسترسال كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان بسّاما من غير ضحك ، وقال : « إني لأمزح ولا أقول إلّا حقا » « 1 » . وكان أصحابه صلّى اللّه عليه وسلم يذكرون بين يديه أخبار الجاهلية وأشعارها فيضحكون ويتبسّم هو صلّى اللّه عليه وسلّم . ظاهرهم مبذول للخلق وأسرارهم مصونة للحق . لا يرون مكرمة إلّا ابتدروا إليها ولا عملا صالحا

--> ( 1 ) رواه الطبراني عن ابن عمر والخطيب عن أنس ، حسن . انظر : فيض القدير ، ج 3 ، ص 13 .