السلمي

153

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

ولا فعله ، بل يشاهد فعل اللّه تعالى به وفضله عليه . فإن من شهد نفسه نفسا سقط عن درجة المحققين . وإذا تحقق المريد في إرادته فالواجب عليه أن يميز بين هذه الأحوال . وإذا وردت عليه مقامة من الزهد والتزهد ، والصبر والتصبر ، واليقين والتيقن ، والورع والتورع ، والحزن والتحزن ، والبكاء والتباكي ، والفهم والتفهم ، والخوف والتخوف ، والذوق والتذوق ، وما يجري مجراها ، فيميز بينها ويحمل نفسه على الأتم ، لأن المتفعل قاصر عن درجة الفاعل ، والفاعل أتم مقاما وأسلم بركة . فإذا صحت له هذه المقامات وسلم له ظاهره وباطنه من الرّيب والتهم وساعده التوفيق بدا له أوائل التصوف . قال الجنيد 4 رحمه اللّه : « إذا وفق اللّه المريد ألقاه إلى الصوفية فيجعل نهايته في الإرادة ، بدايته في التصوف . لأن النهاية في الإرادة ( 4 ) الجنيد بن محمد ، أبو القاسم الخرّاز ( 297 ه / 909 م ) . وكان أبوه يبيع الزجاج ، فلذلك كان يقال له : « القواريري » . أصله من نهاوند ، ومولده ومنشأه بالعراق . تفقه على أبي ثور ، وكان يفتي في حلقته وهو في العشرين من عمره . صحب السريّ ، والحارث المحاسبيّ ، ومحمد بن علي القصّاب البغدادي وغيرهم . ثم اشتغل بالعبادة ولازمها حتى علت سنّه ، وصار شيخ وقته ، وفريد عصره في علم الأحوال والكلام على لسان الصوفية ، وطريقة الوعظ . وله أخبار مشهورة وكرامات مأثورة . وأسند الحديث عن الحسن بن عرفة . وهو من أئمة القوم وسادتهم ، مقبول على جميع الألسنة . قال جعفر الخلدي : « لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم وحال غير الجنيد . إذا رأيت علمه رجحته على حاله ، وإذا رأيت حاله رجحته على علمه » . وكان يفضل الصحو على الفناء على خلاف أبي يزيد البسطامي . ( طبقات الصوفية : 155 - 163 ، طبقات الشافعية الكبرى : 2 / 28 - 37 ، تاريخ بغداد : 7 / 241 - 249 ) .