السلمي

152

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

الصديقية . والنبوّة والرسالة منقطعان عن أحوال الخلائق ومباينان لها ، لأن لهم كمال الأحوال ، والخلق يمرون في حواشيها . ثم بعد الصلاح مقام الشهداء . والشهيد لا يكون شهيدا في الظاهر إلّا بعد القتل في المعركة وفي الحقيقة قتل النفس عن الشهوات مع بقاء حركات النفس ومتابعة ما ذكرته من آداب المريدين وأخلاقهم . ثم بعد مقام الشهداء مقام الصدّيقين : وهو من أحوال الصوفية وأعلى مقام الصديقية موافقة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أوامره وأفعاله وأخلاقه وترك مخالفته في شيء من سيره . فأول ما يبتدئ بأحواله فإن أطاقها ركبها وإن لم يطق ذلك نزل إلى أخلاقه ، فإن لم يطق ذلك نزل إلى آدابه . وإن فاته هذه المقامات فلا يفوته الاقتداء بسنّته ولا ينزل عن درجة اتباع السنّة بحال ويعلم أن أدنى منازل النبوّة منقطعة عن أعلى منازل الولاية ، والتصوف ، لأن الرسل والأنبياء صلوات اللّه عليهم مؤيدون بما لا يجري فيه اغترار ولا شبهة من الوحي ومشاهدة الغيب والاطلاع على أحكام الخلق ، والرسل محكمون على الأنبياء عليهم السلام ، والأولياء والصدّيقين والشهداء والصالحين . فمفزع العوام إذا نابتهم نائبة إلى أهل الصلاح إلى المريدين ، ومفزع المريدين إلى العارفين ، ومفزع العارفين إلى الصوفية ، ومفزع الصوفية إلى ربهم . قال اللّه تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً « 1 » . أنعم على قوم بما فتح عليهم من زوائد برّه وإنعامه ولا يشهد أحد منهم في حاله وأوقاته نفسه

--> ( 1 ) سورة النساء : 69 .