عبد الملك الخركوشي النيسابوري
98
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال ذو النون : الزهاد ملوك الدنيا والآخرة ، وهم مساكين العارفين . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من زهد في الدّنيا أربعين يوما ، أنبت اللّه تعالى في قلبه الحكمة ، وأنطق بها لسانه ، وبصّره عيوب الدّنيا ، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام » . وروى أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى أصحابه رضى اللّه عنهم يوما ، فقال : « هل فيكم من يريد علما بغير تعلم ؟ هل فيكم من يريد هدى بغير هداية ؟ هل فيكم من يريد أن يذهب اللّه عنه العمى ، ويجعله بصيرا ؟ إنه من رغب في الدّنيا فطال فيها أمله ، أعمى اللّه تعالى قلبه على قدر رغبته فيها ، ومن زهد في الدّنيا وقصر فيها أمله ، أعطاه اللّه تعالى علما بغير تعلم ، وهدى بغير هداية » . وقيل لبعضهم : ما الزّهد في الدّنيا ؟ قال : أن لا تفرح بما أوتيت منها ، ولا تحزن على ما فاتك منها . وقال الفضيل بن عياض : أصل الزهد الرضا عن اللّه عزّ وجلّ ، وأحق الناس بالرضا عن اللّه تعالى أهل المعرفة باللّه تعالى . وقال أبو سليمان : ما أعرف للزهد حدا ، ولا للورع حدا ، ولا للرضا حدا ولا غاية ، ولكني أعرف منه طريقا واحدا ، الزهد فيما يرغب الخلق فيه . وقال أحمد بن أبي الحوارى : فحدثت به سليمان ، فقال : لكني أعرفه ، إذا رضى العبد عن اللّه عزّ وجلّ في كلّ شئ ؛ فقد بلغ حدّ الرضا ، وإذا ورع عن كلّ شئ ؛ فقد بلغ حد الورع . وعن سعيد بن حرب قال : من علامة المريدين الزهد في الدنيا ، وترك كل تخليط لا يريد ما يريدون . وقال أبو عثمان : من زهد في نصيب نفسه من الراحة والعز والرئاسة ، تفرغ قلبه للرحمة على عباد اللّه عزّ وجلّ . وقال بعضهم : للزاهد في الدنيا الكرامات ، وفي الآخرة المقامات . وقال بعضهم : اختلف الناس في الزهد ، فقالت طائفة : الزهد ترك حب المنزلة ، وقالت طائفة : الزّهد ترك ما يشغل عن اللّه عزّ وجلّ ، وقالت طائفة : الزهد رفض الدنيا وقصر الأمل ، وقالت طائفة : الزّهد ترك راحة النفس وسرورها ، وقالت طائفة : الزهد الثقة باللّه تعالى ، وقالت طائفة : الزّهد إخراج المخلوقين من القلب ، وحب الخلوة ، وقالت طائفة :