عبد الملك الخركوشي النيسابوري
99
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
الزاهد من لا يرى الدنيا وأهلها وما فيها ، وإنما يرى اللّه سبحانه وحده ، فإذا كان كذلك لم يأخذ منها شيئا إلا من قبل اللّه عزّ وجلّ . وقال ابن عيينة : الزاهد من إذا أنعم عليه شكر ، وإذا ابتلى صبر . قلت : يا أبا محمد ، من ابتلى فصبر وأنعم عليه فشكر ، وأحسن في النعمة ، كيف يكون زاهدا فيها ؟ قال : اسكت ، من لم تمنعه النعماء من الشكر ، ولا البلوى من الصبر ، فذلك الزاهد . وقد روى عن النّبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من زهد في الدّنيا ، ورغب في الآخرة ، أخرج اللّه تعالى الفقر من قلبه ، وجعل الغنى بين عينيه ، وأجرى الحكمة على لسانه ، وجاءته الدّنيا وهي صاغرة ، ومن رغب في الدّنيا وزهد في الآخرة ، أخرج تعالى الغنى من قلبه ، وجعل الفقر بين عينيه ، ولم يأخذ من الدّنيا إلا ما كتب له » . وقال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل . وقال أبو عبد اللّه بن خفيف : الزهد التكرم بالدنيا ، ووجود الراحة في الخروج منها . وقال الزهري : من لم يغلب الحرام صبره ، ولم يمنع الحلال شكره ، فهو زاهد . - وسئل بندار بن الحسين عن الزهد ، فقال : الزهد التهاون . وقال الأوزاعي : الزهد هو الزهد في المحمدة ، والزهد ارتفاع مقادير الأشياء من القلب . وقال : الزاهد خلع الراحة وبذل المجهود . وقيل : الزهد على وجهين : زهد فرض ، وزهد فضيلة ، فأما الفرض فترك الحرام ورفضه ، وأما الفضيلة فالزهد في الحلال . - وسئل أبو الحسن عن الزهد فقال : هو أن تنسى ذكره باللسان ، وتفقده بالقلب . وقال يوسف بن الحسين : من علامة الزهد أن لا تطلب المفقود حتى تفقد الموجود . وقال الفضيل : الزّهد في الدّنيا هو القنوع وهو الغنى . وقال حاتم الأصم : الزهد في الدنيا هو الترك ، والتهاون بلا إيثار . وقيل ليونس بن عبيد : ما غاية الزهد ؟ قال : ترك الراحة . وقال شقيق : الزهد في الدّنيا يقيم زهده بفعله ، والمتزهد يقيم زهده بلسانه . وقال الخليل بن أحمد : الزهد ترك فضول الكلام ، وترك فضول ما في أيدي الناس . واستوصى رجل محمد بن واسع فقال : أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة .