عبد الملك الخركوشي النيسابوري

59

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

7 - باب في ذكر الأنس وما قيل فيه أخبرنا أبو سعد الواعظ ، حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد بن محبوب ، حدّثنا زكريا بن يحيى بن الحارث ، حدّثنا محمد بن الحسن ، حدّثنا سلمة ، حدّثنا أحمد ، حدّثنا ثوبان بن سعيد ، قال : حدّثنا بشر بن السّرى ، قال : كتب مطرف إلى عمر بن عبد العزيز : ليكن أنسك باللّه تعالى ، وانقطاعك إليه ، فإن للّه عبادا استأنسوا باللّه تعالى ، فكانوا في وحدتهم أشدّ استئناسا من الناس في كثرتهم ، وأوحش ما يكون الناس آنس ما يكونون ، وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون . قيل لإبراهيم بن أدهم : من أين أقبلت يا أبا إسحاق ؟ قال : من أنس الرّحمن ، قيل : وأين تريد ؟ قال : أنس الرحمن . قال أحمد : من لم يفر من اللّه عزّ وجلّ إليه لم يعرف طعم الأنس . وقال بعض المشايخ : ما أكثر الوحشة من الإنس ، وأحوج الإنس إلى الأنس به . وجاء رجل إلى ابن الصياد ، فقال : لماذا جئتني ؟ قال : جئت لأصحبك وأعبد اللّه عزّ وجلّ معك ، فقال : يا أخي : إن العبادة لا تكون بالشركة ، ومن لم يأنس باللّه عزّ وجلّ لم يأنس بغيره . وقال شميط بن عجلان : إنّ اللّه عزّ وجلّ وسم الدّنيا بالوحشة ليكون أنس المطيعين به . وكان حبيب يخلو في بيته ويقول : من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه ، ومن لم يأنس بك فلا أنس بشئ . وقال أبو بكر الورّاق : لا تطمع في الأنس باللّه عزّ وجلّ مع الأنس بالمخلوقين ، ولا تطمع في الفكر والعبر مع تفرق القلب في أودية الاشتغال ، ولا تطمع في إلهام الحكمة مع طلب الرئاسة . وقال ابن السّمّاك : كان النّاس دواء أستشفى به ، فهم اليوم داء لا دواء له ، فاتخذ اللّه مؤنسا ، وكتابه محدثا . وقال مالك بن دينار : من لم يأنس بمحادثة اللّه عزّ وجلّ عن محادثة المخلوقين ، فقد قلّ علمه ، وعمى قلبه ، وضاع عمره .