عبد الملك الخركوشي النيسابوري
56
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
- وسئل المحاسبي عن القرب ، فقال : القرب أن يتقرب العبد إلى اللّه سبحانه بالطاعات . وقال أيضا : القرب شغل القلب باللّه تعالى . وقيل : القرب أن تشهد قرب اللّه تعالى منك لأنه أقرب من كل شئ ، وذلك قوله عزّ وجلّ وَهُوَ مَعَكُمْ « 1 » . وقال عمار : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه تعالى أقرب منه . والقرب اتّصال الهمّة باللّه تعالى بغير وصف ولا كيف في جميع أحواله ، ثم يبدي لهم زيادة من القرب ما يفنى عنهم رؤية الهمة ، حتى تبقى رؤية القرب ، ثم يبدي لهم من أقرب القرب ، ما ينفى عنهم رؤية القرب حيث هم ، ويبقى عليهم القرب من حيث الحقّ سبحانه . وقال حذيفة : إن أتحفك ببره فرّغك لذكره ، وإن فرغك لذكره أدناك إلى قربه ، وإن أدناك إلى قربه توّجك بتاج كرامته ، وإن توّجك بتاج كرامته أقعدك على سرير بهائه ، وإن أقعدك على سرير بهائه أدخلك في روح مناجاة أنسه ، وإن أدخلك في روح مناجاة أنسه سقاك صرفا من محبته . وروى عن النّبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « رأس الدين ترك الدّنيا ، والقربة من اللّه عزّ وجلّ حبّ المساكين والدنو منهم » . وعن ذي النون أنه قال : رأيت أعرابيا يطوف بالكعبة وقد نحل جسمه ، واصفرّ لونه ، ودقّ عظمه ، فقلت له : أمحبّ أنت ؟ قال : نعم ، قلعت حبيبك منك قريب أم بعيد ؟ قال : قريب ، فقلت : موافق أو غير موافق ؟ قال : موافق ، فقلت : يا سبحان اللّه ، حبيبك منك قريب ولك موافق ، وأنت على هذه الحالة ، فقال : يا بطّال أما علمت أنّ عذاب القرب والموافقة أشدّ من عذاب البعد والمخالفة . وقال سرى : مقدار كلّ رجل في فهمه على مقدار قرب قلبه من سيّده . وقيل في قوله عزّ وجلّ : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ « 2 » يعنى إن طالعت غيرى لتحرمن قربى .
--> ( 1 ) سورة الحديد : 4 . ( 2 ) سورة الزمر : 65 .