عبد الملك الخركوشي النيسابوري

514

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

قال الجنيد : رأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السماء ، فقال لي أحدهما : ما الصّدق ؟ قلت : الوفاء بالعهد ، فقال الآخر : صدقت ثم صعدا إلى السماء . ورؤيت زبيدة في المنام فقيل لها : ما فعل اللّه بك ؟ قالت : غفر لي بهذه الكلمات الأربع ؛ لا إله إلّا اللّه أفنى بها عمرى ، لا إله إلا اللّه أدخل بها قبرى ، لا إله إلا اللّه أخلو بها وحدى ، لا إله إلا اللّه ألقى بها ربى عزّ وجلّ . ورؤى أبو بكر المصري في النّوم بعد وفاته أنه قال : قلت للحق : سلّطت علىّ نارك فأحرقتنى ، فقال : لم تكن نارا بل كان نورا . وعن حبيب بن بلتع أنه قال : ضقت بالمدينة ضيقا شديدا حتى ظهر سوء حالي ، فأتيت سعيد بن المسيب لأشكو إليه حالي ، فلم أجده في مسجده ، فانتظرته فأغفيت إغفاءة ، فرأيت في المنام كأنّ قائلا يقول : لو يعلم الصابر ما يعقبه الصبر من السّرور ، ما كان بالمختار في الأمور سوى الصّبر على المقدور . قال : فانتبهت فقمت في الوقت فرحا ، فوجدت في الطريق كيسا فيه دراهم فأخذت فاستغنيت به . وعن مطرف بن عبد اللّه قال : خرجنا إلى الربيع في زمانه ، فكنّا ندخل يوم الجمعة لشهودها وطريقنا على المقابر ، فدخلتها فرأيت جنازة في المقبرة ، فشهدتها واعتزلت في ناحية قريبا من قبر ، فركعت ركعتين خفيفتين ثم نعست ، فرأيت صاحب القبر الذي كان قريبا منى يكلمني ، فسألني عن صلاتي ، ثمّ قال : تعملون ولا تعلمون ، ونعلم ولا نستطيع أن نعمل ، لأن أركع ركعة من ركعتيك أحب إلىّ من الدّنيا بحذافيرها ، قال : قلت : كيف من ههنا ؟ قال كل مسلم وكلّ مؤمن قد أصاب خيرا ، قلت : فأىّ قبر ههنا أفضل ؟ فأشار إلى قبر ، فقلت : اللّهمّ أخرجه إلىّ فأعلمه ، فإذا هو فتى شابّ ، فقلت : أنت أفضل من ههنا ، قال : قد قالوا ذلك ؟ قلت : فبأىّ شئ نلت ذلك ؟ قال : ابتليت بالمصائب ورزقت الصبر عليها ، فبذلك فضلت عليهم . وقال مالك بن دينار : كنت أقول لابنة لي : يا بنية اتقى اللّه تعالى ولا تشربى السّويق بعضه على بعض فيوزن شحمك ولحمك ، فماتت في حياة مالك فرآها مالك في النوم ، فإذا هي بشجرة فدنا منها وهي تنادى ، يا أبتاه فطرح كساءه عليها وضمها إلى صدره فقالت له : يا أبتاه كنت في الدّنيا تقول لي : لا تشربى السويق بعضه على بعض فيوزن لحمك وشحمك ، وقد وزن اليوم شحمى ولحمي وحوسبت به .