عبد الملك الخركوشي النيسابوري
509
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وعن بشر بن الحارث قال : دخلت على أبى يزيد القاسم الجرمي في مرضه الذي مات فيه أعوده ، فوجدته على قطعة بالية خلق ، وتحت رأسه لبنة ، فلما خرجت من عنده سمعت جيرانه يقولون : هو جارنا منذ عشرين سنة ما سألنا حاجة . وقيل للجنيد وهو ينزع : قل لا إله إلّا اللّه ، فقال : ما نسيته فأذكره ، لأنّ الذّكر عن غفلة ، والغفلة عن ذكر ، وإنّما أنا فيما لا غفلة ولا ذكر في ذا الوقت . وعن أبي على الروذباري قال : دخلت البادية فرأيت حدثا ، فقال لي : تعال يا روذبارى أما يكفى ربك عزّ وجلّ أن شغفنى بحبه حتى علني ، فقل له يفعل ما يشاء فلست بمعرض عنه . قال : ثم رأيته وهو يجود بروحه ، فقلت له : قل لا إله إلا اللّه ، فأنشأ يقول : أيا من ليس لي منه وإن عذّبنى بدّ * ويا من نال من قلبي منالا ما له حدّ ولما حضر النوري الوفاة قيل له : قل لا إله إلا اللّه ، فقال : أليس إلى ثمّ أمر ونحل المزنى على الشافعي رحمهما اللّه في مرضه الذي توفى فيه ، فقال له : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحت من الدنيا راحلا ، وللإخوان مفارقا ، ولسوء عملي ملاقيا ، وبكأس المنية شاربا وعلى اللّه تعالى واردا ، ولا أدرى أروحى تصير لي الجنة فأهنيها ، أم إلى النار فأعزّيها ، ثمّ أنشأ يقول : فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبى * جعلت رجائي نحو عفوك سلّما تعاظمنى ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربّى كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذّنب ، لم تزل * تجود وتعفو منّة وتكرّما ولولاك لم يغو إبليس عابدا * وكيف وقد أغوى صفيّك آدما !