عبد الملك الخركوشي النيسابوري

50

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وعن فتح الموصلي قال : من أدام الذكر بقلبه ورّثه ذلك الفرح بالمحبوب ، ومن آثره على هواه ورثه ذلك حبه إياه ، ومن اشتاق إليه زهد فيما سواه . وقال يحيى بن معاذ : هم ثلاثة : زاهد ، ومشتاق ، وواصل . فالزاهد يعالج الصبّر ، والمشتاق يعالج الشّكر ، والواصل يعالج الولاية . وقال أبو خالد الصفار : لقى نبي من الأنبياء عابدا فقال له : « إنكم معاشر العبّاد تعملون على أمر لسنا معاشر الأنبياء نعمل عليه ، أنتم تعملون على الخوف والرجاء ، ونحن نعمل على المحبّة والشّوق » . وقال رجل لعبد الواحد بن زيد يا أبا عبيد ، أي الرجلين عندك أفضل ، رجل أحبّ البقاء ليطيع اللّه تعالى ، وآخر أحبّ الخروج شوقا ؟ فقال : الذي أحب الخروج شوقا أفضل . وقال عبد الواحد : ومنزلة ثالثة ، قال : لا أعرفها ، قال : بلى الذي لا يحب البقاء لطاعة ، ولا يحبّ الخروج شوقا ، أحبّ ذلك إليه أحبه إلى مولاه إن أبقاه أحبّ ذلك ، وإن أخرجه أحبّ ذلك . وعن الشبلي قال : أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : « يا داود ، ذكرى للذاكرين ، وجنتي للمطيعين ، وزيارتي للمشتاقين ، وأنا خاصة للمحبين » . وأوحى اللّه تعالى إلى آدم عليه السلام : « يا آدم ، من أحب حبيبا صدّق قوله ، ومن أنس بحبيبه رضى فعله ، ومن اشتاق إليه جدّ في مسيره » . وعن بعض المشايخ قال : إذا منّ اللّه تعالى على عبد بعبادته وطاعته ، فتح له باب الخوف ، فيعبد اللّه تعالى على الخوف ، فلا يهنيه العيش في ذلك فيرحمه ، ثم يفتح عليه باب الرجاء ، فيعبده على الرجاء ، ثم يفتح عليه باب الحب ، فيعبده على الحب ، ثم يفتح عليه باب الشوق والإنابة ، فيعبده على ذلك وهو مشتاق إلى اللّه عزّ وجلّ حتى يأتيه الموت . وأوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السّلام : « إني إذا رفعت الحجب قلت : أين المشتاقون الذين بغضوا لذيذ الطعام من أجلى ، أين المشتاقون الذين جعلوا مكان الضحك بكاء خوفا منى . أين المشتاقون الذين آثروا مناجاتى على الدّنيا . يا داود ، من عظّمنى عظمته يوم القيامة وأعطيته أمنيته في الدنيا والآخرة » . وكان أبو عبيد الخواص : يضرب على صدره ويقول : وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه .