عبد الملك الخركوشي النيسابوري
496
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
ليدركه ، فليكن سرورك بما قدّمت من أجر ، وليكن أسفك فيما فرّطت فيه من زلل ، وانظر ما فاتك من الدّنيا فلا تكثر عليه حزنا ، وما نلته فلا تبغ فيه فرحا ، وليكن همّك لما بعد الموت . وكتب بعض الصالحين إلى بعض إخوانه : اعلم يا أخي إنك في منية أهل المرض ، وأهل البلوى ، وأهل السجون ، وأهل القّبور ، وأهل النّشور ، وأهل الجنان والنيران ، قد آتاك اللّه تعالى مناهم كلّهم ، فاغتنم يومك وبقّيّة عمرك ، فمن أحبّ شيئا طلبه ، ومن طلب شيئا وجده ، ومن خاف شيئا هرب منه ، ومن أراد سفرا اهتم له ، ومن أحبّ اللحوق بقوم اقتدى بفعالهم وسلك سبيلهم ، ومن فضّل قوما بالعلم فحقّ له أن يفضلهم بالعمل ، وليكن الغالب من همومك هم المعاد والنزول به ، والغالب من كلامك ذكر الموت والاستعداد له ، فهو أشد شئ نزل بك فيما قبله ، وأهون شئ فيما بعده . وكتب الربيع بن خثيم إلى بعض إخوانه : أن قدّم جهازك ، وافرغ من زادك ، وكن وصى نفسك ، ولا يكن أوصياؤك الرجال ، والسّلام . وقال عبد اللّه بن زياد : اشتكى أبى فكتب إلى بكر بن عبد اللّه المزنى يسأله أن يدعو له ، فكتب إليه : كتبت تسألني أن أدعو لك ، وحق لمن عمل ذنبا لا عذر له فيه ، وخاف موتا لا بد له منه أن يكون مشفقا ، وسأدعو لك ولست أرجو أن يستجاب لي بثقة من عمل ولا براءة من ذنب . وكتب شاه الكرماني إلى أبى عثمان : أمّا بعد ، فإنّ ترك العتاب وحشة ، وطول العتاب فرقة . وكتب الوليد بن العميد إلى بعضهم : لا أذاقك اللّه تعالى يا أخي حلاوة نفسك ، وجعل لك من نفسك رقيبا على نفسك ، لتكن نفسك مشغولة بنجاة نفسك عن مراد نفسك ، يا أخي ما لم تتفرّغ عن عيب نفسك فلا تشتغل بأبناء الجنس ، وإيّاك والغضب ، فإن كان ولا بدّ فاغضب على النفس ، وأدم الاستغفار بألسن الاعتذار في العلانية والإسرار ، فإنّما هو سرّ وعلانية ، فالسرّ ما ستره اللّه تعالى عنك ، والعلانية ما ستره اللّه تعالى عليك ، فإن كشف لك عما ستر عنك افتضحت عند اللّه عزّ وجلّ ، وإن كشف ما ستر عليك افتضحت عند الخلق ، سترك اللّه وإيّانا بستره الجميل . وكتب أبو جعفر إلى شاه بن شجاع الكرماني : إنّى نظرت في نفسي وعملي وتقصيري