عبد الملك الخركوشي النيسابوري
419
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
68 - باب في ذكر التفكر أخبرنا أبو سعد ، أخبرنا أبو علي الحسين بن أحمد بن موسى القاضي ، حدّثنا أبو الحسين علي بن أحمد بن الحسين العجلي بالكوفة ، حدّثنا محمد بن طريف ، حدّثنا عبد الحميد الحماني عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن قوما تفكروا في اللّه عزّ وجلّ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفكّروا في اللّه عزّ وجلّ ، فإنّكم لن تقدروا قدره » . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه خرج على قوم ذات يوم وهم سكوت فقال : « ما لكم لا تتكلّمون ! » ، فقالوا : نتفكّر في خلق اللّه عزّ وجلّ ، قال : « فكذلك فافعلوا ، وتفكّروا في خلقه ، ولا تتفكروا فيه ، فإنّ بهذا المغرب أرضا بيضاء ، نورها بياضها ، أو بياضها نورها ، مسيرة الشمس أربعون يوما ، بها خلق من خلق اللّه عز وجل لم يعصوا اللّه عزّ وجلّ طرفة عين » ، قالوا : يا رسول اللّه ، فأين الشّيطان منهم ؟ قال : « ما يدرون خلق الشيطان أم لا ؟ » ، قالوا : من ولد آدم هم ؟ قال : « لا يدرون خلق آدم أم لا » . وعن عطاء قال : انطلقت أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضى اللّه عنها ، وبيننا وبينها حجاب ، فقالت : يا عبيد ما منعك من زيارتنا ؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « زر غبا تزدد حبا » . قال ابن عمير فأخبرينا بأعجب شئ رأيته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فبكت وقالت : كلّ أمره كان عجبا أتاني في ليلتي حتّى مس جلده جلدي ، ثم قال : « ذرينى أتعبّد لربّى عزّ وجلّ » ، قالت : فقلت : واللّه إني لأحب قربك ، وأحب أن تتعبد لربك عزّ وجلّ ، فقام إلى القربة فتوضأ منها ، ثم قام يصلّى فبكى حتى بل لحيته ، ثم سجد حتى بلّ الأرض ، ثم اضطجع على جنبه حتّى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح ، فقال : يا رسول اللّه ما يبكيك ؟ فقد غفر اللّه تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : « ويحك يا بلال ، وما يمنعني أن أبكى وقد أنزل اللّه تعالى على في هذه الليلة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ « 1 » . ثم قال : « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » . فقيل للأوزاعى : ما غاية التّفكر فيهن ؟ قال : تقرأهن وتعقلهنّ .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 190 .