عبد الملك الخركوشي النيسابوري

420

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وعن محمّد بن واسع ، أن رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذرّ ، بعد موت أبى ذرّ فسألها عن عبادة أبى ذرّ ، فقالت : كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر . وعن الحسن قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة . وعن الفضيل بن عياض ، عن الحسن قال : الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك . وقيل لإبراهيم : إنك تطيل الفكرة فقال : الفكرة مخ العبادة وأصل العقل . وكان سفيان بن عيينة كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : إذا المرء كانت له فكرة * ففي كلّ شئ له عبرة وعن طاووس قال : قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه السلام : « يا روح اللّه هل على الأرض اليوم مثلك ؟ قال لهم نعم ، من كان منطقه ذكرا ، وصمته تفكرا ، ونظره عبرا ، فإنه مثلي » . وعن الحسن قال : من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ، ومن لم يكن نظره اعتباره فهو لهو ، وفي قول اللّه عزّ وجلّ : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 1 » ، قال : أمنع قلوبهم التفكر في أمرى . وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعطوا أعينكم حظّها من العبادة » ، قالوا : يا رسول اللّه ، وما حظها من العبادة ؟ قال : « النظر في المصحف ، والتفكّر فيه ، والاعتبار عند عجائبه » . وعن امرأة كانت تسكن البادية قريبا من مكة أنها قالت : لو تطالعت قلوب المتقين بفكرها إلى ما قد ذخر في حجب الغيوب من خير الآخرة ، لم يصف لهم في الدّنيا عيش ، ولم تقر لهم في الدّنيا عين . وكان لقمان يطيل الجلوس وحده ، فكان يمر به مولاه فيقول : يا لقمان إنك تديم الجلوس وحدك ، فلو جلست مع النّاس كان آنس لك ، فيقول لقمان : إن طول الوحدة أفهم للفكرة ، وطول الفكرة دليل على طريق الجنّة . وقال وهب بن منبه : ما طالت فكرة امرئ قطّ إلا علم ، وما علم امرؤ قط إلا عمل . وقال عمر بن عبد العزيز : الفكرة في نعم اللّه عزّ وجلّ من أفضل العبادة . وقال عبد اللّه بن المبارك يوما لسهل بن علي ورآه ساكتا مفكرا : أين بلغت ؟ قال : الصراط .

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 146 .