عبد الملك الخركوشي النيسابوري
350
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
54 - ذكر القبض والبسط قال أبو سعد الواعظ رضى اللّه عنه : هذه المسألة دائرة بين أهل الحقيقة . والقبض ما أشار إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ لي حالة لا يسعني فيها غير اللّه تعالى » . والبسط ما قاله صلى اللّه عليه وسلم : « حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث : النّساء والطيب وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » . وقالت عائشة رضى اللّه عنها : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصنع في بيته ما يصنع رجالكم ، حتى يسابقنى فسبقته كرة ، فلما بدنت سبقني ، فضرب على منكبي وقال : « هذه بتلك » . فهذه حالة البسط . ثم قالت عائشة رضى اللّه عنها : « كان إذا سمع الأذان كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه » . وهذه حالة القبض . وفي مثل هذا ما روى أنه قيل له : يا رسول اللّه ، من أحبّ الناس إليك ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « عائشة » . قيل له : ومن الرجال ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أبوها » ، رضى اللّه عنهما ، فهذه حالة البسط . فلما غلبت عليه حالة القبض ، قال : « لو كنت متخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ولكن صاحبكم خليل اللّه عزّ وجلّ » . وأما حال الصحابة رضى اللّه عنهم في القبض والبسط ، فما روى عن حنظلة أنّه قال : نافقنا يا رسول اللّه ، قال : « لم » ، قال : إنّا إذا كنّا عندك كنّا على حال ، فإذا شممنا أهالينا تغيّرت أحوالنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة » ، فإذا كانوا عند رسول اللّه كانت لهم حالة القبض ، فإذا رجعوا إلى أهاليهم كانت لهم حالة البسط . وقال ابن عطاء : معنى القبض والبسط : أن يقبضك عنك ويبسطك له وبه . وقال الواسطي رحمه اللّه : يقبضك عما لك ويبسطك فيما له .