عبد الملك الخركوشي النيسابوري

342

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

51 - باب ذكر الدّلالة على جواز كون الكرامات للأولياء قال اللّه تبارك وتعالى : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ « 1 » ، فأثبت الخصوصيّة لأقوام دون غيرهم ، كما خصّ الأنبياء عليهم السلام بالنبوة دون غيرهم ، وخصّ المؤمنين بالهداية دون الكافرين ، فكيف يستبعد أن يخص بالكرامات خواص الأولياء ، إذ هو القادر على ما يشاء ، وقد نطقت بتفصيلها آيات من كتاب اللّه عزّ وجلّ . منها ما قال اللّه في قصة مريم عليها السلام : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً « 2 » . قال الضحاك : هو فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء . ومنها قوله عزّ وجلّ في قصة آصف بن برخيا أنه قال لسليمان عليه السلام : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ « 3 » ، في نظائر لها يكثر ذكرها . قال أبو سعد الواعظ رضى اللّه عنه : اعلم أن المذهب في هذا الباب أن الكرامة في معنى المعجزة ، من جهة أن كلّ واحدة منها خارقة للعادة ناقصة لها ، ولا يجوز أن يدل على ولاية الولي كما يدل على نبوة النبي ، لأنّ الأصل أن المعجزة دلالة الصدق والنبىّ لا يكون إلا صادقا ، فكذلك الولي لا يكون إلا صادقا . ولما كانت المعجزة دلالة على صدق الصادق وجب أن لا تختصّ ببعض الصادقين ، كما أن أحكام الفعل لما كانت دلالة على الحي العالم القادر لا تختصّ ببعض العالمين ولا ببعض القادرين ، وإنما لم يجز ظهور المعجزة والكرامة على غير النبي والولي ، لجواز الكذب على غير النبي والولي ، ومن جاز عليه الكذب لم يجز إظهار المعجزة والكرامة عليه إذ لو جاز عليه إظهار المعجزة والكرامة لانسد طريق الفرق بين الصادقين والكاذبين . والتبس الأمر فيه ، ولما علم الصادق من الكاذب ولأن الفرق بين الصادق والكاذب وجود المعجزة والكرامة مع الصادق ، واستحالة وجودهما مع الكاذب . وأيضا فإنه لو جاز ظهور المعجزة والكرامة على الكاذب لكان البارىء جلّ جلاله غير موصوف بالقدرة على أن يعرفنا الفرق بين الصادق والكاذب وكون البارىء جلّت عظمته غير موصوف بالقدرة عليه مع تصور إمكان وجوده من العقل يوجب أن يكون عاجزا ، إذ

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 74 . ( 2 ) سورة آل عمران : 37 . ( 3 ) سورة النمل : 40 .