عبد الملك الخركوشي النيسابوري

343

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

العاجز لا يستحقّ اسم الإلهية وهذا كما عرفنا الفرق بين القادر والعاجز والعالم والجاهل ، بظهور الفعل المتقن المحكم من أحدهما دون الآخر ، إذ لو كان جاز ظهور الأفعال المحكمة من غير قادر ولا عالم ، لكان البارىء جلّت عظمته غير موصوف بالقدرة على أن يعرّفنا الفرق بين العالم والجاهل ، وبين القادر والعاجز . ثم إن الكرامة وإن كانت في معنى المعجزة ، فإن الاختلاف في العبارتين وقع لاختلاف الحالين ، فما يظهر منه للنبىّ يسمّى معجزة ، وما يظهر منه للولي يسمى كرامة . ومما يدل على جواز إظهار المعجزة والكرامة على النبي والولّى أنه لا يخلو في الأصل من أن يكون جائزا أو محالا ، فإن كان جائزا فهو ما قلنا ، وإن كان محالا لم يختص بالإحالة فيه بشخص دون شخص ، ووقت دون وقت ، فلما لا يكون ظهورهما محالا في الجمع بل جاز ظهوره بهذه الجنس على الأنبياء عليهم السلام ، كذلك يصحّ ذلك عند دعاء الأولياء ، ولم يستحل ذلك . وأيضا كلّ ما كان مقدورا يصح فعله إذا لم لكن في وجوده إثبات حدوثه ، أو حدوث معنى فيه سبحانه وتعالى ، أو قلبا للشئ عن حقيقته أو تجويز البارىء عزّ وجلّ في حكمه أو تكذيبه في خبره ، أو تشبيهه بخلقه تعالى عن جميع ذلك ، كما قلنا في ظهور المعجزات على واحد من البشر إذا كان نبيا صادقا ، فكذلك مثله إذا كان وليا صادقا . والذي يدل على كرامات الأولياء دون الأنبياء ، ما ظهر لمريم عليها السّلام من الفواكه الشتوية في الصيف والفواكه الصيفية في الشتاء . وما ظهرت من الكرامات على يدها ، حيث أمرت بهز النخلة ، قال اللّه عز وجل : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا « 1 » ، وكانت النخلة يابسة فأثمرت في الوقت ، فدلّ ظهورها على كرامتها ولم تكن رسولا ولا نبيا ، إذ الرسالة والنبوة لا يثبتان في النساء بدليل قوله عزّ وجلّ : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ « 2 » . فإن قال قائل : ما ظهر على مريم عليها السلام يكون معجزة للأنبياء في زمانها . قلنا : لا يجوز أن يكون ما يظهر على يد واحد مضافا إلى غيره في باب الإعجاز والكرامة ، ألا ترى ، لو كان نبيان في وقت واحد لا يضاف ما يظهر من الإعجاز على يد أحدهما إلى الآخر كما أن قلب العصا لموسى عليه السلام من الإعجاز ولم يضف ذلك إلى هارون .

--> ( 1 ) سورة مريم : 25 . ( 2 ) سورة يوسف : 109 .