عبد الملك الخركوشي النيسابوري

337

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

فهلمّ ثم مشى على الماء حتى غاب عن أعيننا ، فبقى أبو سعيد حيران متفكرا فيما قد رأى ناظرا في أثره ونحن كذلك ، ثم التفت إلينا فقال إخواني : لا تنكروا شيئا وارجعوا إلى قريتكم . وقال بكر بن عبد الرحمن : كنت مع ذي النون في سفينة ، إذ سرقت قطيفة فطلبوها ، فاتهم شاب في السفينة ، فقال ذو النون : دعوه حتى أرفق به ، فجاءه فإذا الشابّ نائم في عبادة فوقف عليه ذو النون ينبهه ، فأخرج رأسه من العباءة . وقال لا تقول هذا ؟ ثم قال : أقسمت عليك إلهي أن لا تدع شيئا من الحيتان إلا استقل بجوهر ، قال : فرأينا وجه البحر حيتانا في أفواهها الجواهر ، ثم ألقى بنفسه في البحر ومشى على الساحل . وقال بكر بن عبد الرحمن : كنّا مع ذي النون في البادية ، فنزلنا تحت أم غيلان فقلنا : ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب ، فتبسم ذو النون وقال : تشتهون الرّطب ! فحرّك شجرة وقال : أقسمت عليك بالذي ابتلاك وجعلك شجرة إلا نثرت علينا رطبا جنيا ، ثم حركها فنثرت علينا رطبا جنيا ، فأكلنا وشبعنا ثم نمنا ، فانتبهنا وحركنا الشجرة فنثرت علينا شوكا . وقال جعفر الخالدي : استقبلني إبراهيم الخواص في البادية فقلت له : احك لي أيها الشيخ حكاية أذكرك بها ، فأطرق مليا ثم قال : خرجت مرة من بغداد وعقدت أن لا أتكلم مع أحد حتى أدخل مكة ، فلما بلغت مسجد سعد سمعت حسا ، فالتفت فإذا برجل نصراني وعليه كساء في وسطه زنار عريض ، فسلم علىّ فقلت : وعلى من اتبع الهدى السلام ، فقال : هل لك في الصحبة ؟ فقلت : لا سبيل لك إلى مقصدى ، فقال : وإلى أين مقصدك ؟ قلت : إلى مكة فقال : أمشى معك مقدار ما عليك ، قال : فمشينا سبعة أيام بلياليها وكان يحفظ علىّ أوقات صلواتي ، وأحفظ أوقات صلواته ، فلما كانت الليلة الثامنة قال : يا راهب الحنفية ، هات من عندك من الانبساط فقد جعنا ، فقلت : إلهي وسيدي ، بأىّ وسيلة أتوسّل إليك فتحريت ثم قلت : إلهي وسيدي ، بحق محمد نبيك وصفيّك صلى اللّه عليه وسلم لا تفضحني بين يدي هذا الكافر ، قال : فأشرفت على طبق فيه خبز حواري وشواء ورطب وكوز ماء ، فقلت : تعال وكل فأكلنا ومشينا سبعة أيام بلياليها ، فلما كانت الليلة الثامنة قلت : يا راهب النصارى هات ما عندك مخافة أن يعارضني مرة أخرى ، فأفتضح ، قال : اقعد فقعدت ، فاتكأ على عصاه واطرق مليّا ، ثم قال لي : قم فقمت فأشرفت على طبقين ضعف ما كان على طبقى ، فتحيّرت فمرة كنت أتّهم نفسي ، ومرة كنت أتّهم ديني ، ومرة أقول ذا سحر وشعوذة ، فلم آكل فألحّ علىّ وقال : كل ، فإني مبشرك ببشارتين ، فقلت له : بشّرنى أولا ،