عبد الملك الخركوشي النيسابوري

335

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

التي لا تنام ، واكنفنا بركنك الذي لا يرام ، اللهم ارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك ، وأنت الرجاء . قال عبد الرحمن بن الجارود سمعت خلف بن تميم يقول : فأنا أقول هذه الكلمات على ثيابي ، وعلى نفقتي ، فما فقدت شيئا ولا ذهب لي شئ . وحكى عن إبراهيم الخليل عليه السلام : أنه مرّ فرأى عبدا يتعبد في الهواء ، فقال له : بم نلت هذه المنزلة ؟ فقال : بأمر يسير ، فطمت نفسي عن الدنيا ، ولم أتكلم فيما لا يعنيني ، ونظرت فيما أمرني به فعملت به ، ونظرت فيما نهاني عنه فانتهت عنه ، فأنا إن سألته أعطاني ، وإن دعوته أجابني ، وإن أقسمت عليه أبرّ قسمي ، سألته أن يسكننى الهواء فأسكننى . وعن يحيى بن أبي كثير : قال : اشترى كهمس بن الحسن دقيقا فأكل منه ، فلما طال عليه كاله فإذا هو كما وضعه ، فنقص بعد ذلك حتى فنى . وعن أبي على الرازي قال : للقد مررت يوما على الفرات فعرضت لقلبى شهوة السمك الطري ، فإذا الماء قد قذف لي بسمكة نحوى ، فإذا رجل يعدو فقال لي : أشويها ، قلت : نعم ، قال : فشواها فقعدت فأكلتها . وعن عمرو بن شعيب الأنصاري قال : كان عتبة الغلام يقعد فيقول : يا ورشان إن كنت أطوع للّه تعالى منّى فتعال فاقعد على كفّى ، قال : فيجىء الورشان فيقعد على كفه . قال أبو الحارث الأولاسى : كنت مع أبي إسحق إبراهيم بن سعيد العلوي الزاهد ، وكان عليه كساء أخضر ، فرأيته قد بسط كساءه على البحر وهو قائم يصلى . وعن أبي يعيش البغدادي قال : كان يحيى بن عثمان الحمصي إذا دخل المسجد فسلم أرتج المسجد من تسليم الملائكة : وعليك يا ولىّ اللّه . وحكى أن سريا لما ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من ثمن غزلها ، فأبطأت عليه ذات يوم فقال : لم أبطأت ؟ قالت : لأن غزلي لم يشتر اليوم ، وذكروا أنه مخلط ، وأن ما ظهر منه جيد وما خفى ردئ ، فامتنع سرى من طعامها ونوى أن لا يأكل مما عندها شيئا ، ثم إن أخته دخلت عليه ذات يوم فرأت عنده عجوزا تكنس بيته ، وكانت تأتيه كل يوم بقرصين ، فاغتمت أخته لذلك وأتت أحمد بن حنبل فشكت إليه أخاها فقال له في ذلك ، فقال له : إني لما امتنعت من طعامها قيض اللّه تعالى لي الدنيا تخدمني وتأتيني بقوتى .