عبد الملك الخركوشي النيسابوري
330
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وعن الجنيد بن محمد قال : مرّ بي الحارث المحاسبي ، فرأيت فيه أثر الجوع ، فقلت له : يا عمّ تدخل إلينا ، فدخل فقدمت إليه ما كان في بيتي واشتهيت أن يكون أكثر ، فدخلت إلى بيت عمىّ وحملت طعاما واسعا وكان عمى يعمل مع هؤلاء السلاطين ، فلما وضعته بين يديه لم يمد يده إليه ، فلقمته لقمة وطيبتها وأكثرت فيها الأدم وأومأت إلى فيه ، فأخذها وأدارها من كذا إلى كذا ولم يسغها ، ثم قام ورمى بها ، فقلت له : يا عمّ دخلت إلى عندنا ولم تصب شيئا ، ثم لقمتك لقمة فرميتها ، فقال : نعم ، بيني وبين اللّه تعالى علامة ، إذا كان شئ فيه كراهة لم تمتد يدي غليه ، فلما لقمتنى أحببت أن أسرك فأدرتها لأبلعها وجهدت فلم أسغها فرميت بها . وعن إبراهيم بن الحكم بن أبان قال : كان أبى إذا أخذه النوم بالليل دخل البحر فسبّح ، فتجتمع إليه حيتان البحر فتسبّح معه . وعن عبد الواحد بن زيد قال : خرجت حاجا فصحبنى رجل ، فكان لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجئ إلّا صلى على محمد النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلت له في ذلك ، فقال : أخبرك عن ذلك ، خرجت منذ سنوات إلى مكة ومعي أبى ، فلما انصرفنا قلنا في الطريق في بعض المنازل ، فبينا أنا نائم إذ أتاني آت فقال لي : قم فقد أمات اللّه أباك ، وسوّد وجهه ، قال : فقمت مذعورا وكشفت الثوب عن وجه أبى فإذا هو ميّت أسود الوجه ، قال : فدخلنى من ذلك أمر عظيم ، فبينا أنا على ذلك من الغم إذ غلبتني عيني فنمت ، فإذا على رأس أبى أربعة سودان معهم أعمدة من حديد عند رأسه ورجليه وعن يمينه وعن شماله ، إذ أقبل رجل حسن الوجه بين ثوبين أخضرين ، فقال لهم : « تنحّوا » فتنحّوا ، فرفع الثوب عن وجهه ومسح وجهه بيده ثم أتاني فقال لي : « قم فقد بيّض اللّه وجه أبيك » فقلت : من أنت بأبى أنت وأمي ؟ فقال : « أنا محمد صلى اللّه عليه وسلم » ، قال : فكشفت الثوب عن وجه أبى فإذا هو أبيض الوجه ، فأصلحت من شأنه ودفنته ، فما تركت بعده الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم .