عبد الملك الخركوشي النيسابوري

32

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

فكيف عند الملك . وإن الرجل لينقطع إلى ملك من ملوك الدنيا فيرى أثرهم عليه ! ؟ فكيف بمن انقطع إلى ملك الملوك وسيد السادات ! ؟ . وقال أبو عبد الله النباجى : العارف لا تستكثر له الجنة في جنب معرفته ، فكيف الدنيا وما فيها ، وإن لذائذ المعرفة وسرورها يغنى عن كل سرور ولذائذ دونها ، من قلوب أهلها ، فكيف يبقى معها سرور الدنيا ولذائذ عيشها . وقال رجل لذي النون : واللّه إنّى لأحبّك ، فقال له ذو النون : إن كنت عرفت اللّه تعالى فحسبك اللّه عزّ وجلّ ، وإن لم تعرفه فاطلب من يعرفه حتى يدلّك على اللّه عزّ وجلّ ، وتتعلم منه حفظ الحرمة لمولاك . وقيل للواسطي : أىّ الطعام أشهى ؟ قال : لقمة من ذكر الله ، ترفعها بيد اليقين ، من مائدة المعرفة ، عند حسن الظنّ باللّه عزّ وجلّ . وقال أبو عبد اللّه النباجى : خرج أكثر أهل الدنيا ولم يذوقوا أطيب شئ فيها . قيل : وما هو ؟ قال : سرور المعرفة ، وحلاوة المنّة ، ولذائذ القربة ، وأنس المحبة . وقال أبو يزيد : إن في الليل لشرابا لقلوب أهل المعرفة ، فإذا شربوا طارت قلوبهم في الملكوت حبّا للّه تعالى وشوقا إليه ، فبذلك يقطعون لياليهم إذا أظلم عليهم الليل ، ألا وإنّ الناظرين إليه لا إلى غيره ، ذهبوا بصفو الدنيا والآخرة . وقال : غرست الحبّ غرسا في فؤادي * فلا يسلو إلى يوم التناد جرحت القلب منى باتصال * فشوقى زائد والحب باد سقاني شربة أحيا فؤادي * بكأس الخب من بحر الوداد فلو لا اللّه يحفظ عارفيه * لهام العارفون بكل وادى وقالت رابعة : ثمرة المعرفة الإقبال على اللّه عزّ وجلّ . وقال فتح الموصلي : أهل المعرفة الذين إذا نطقوا فبه ينطقون ، وإذا عملوا فله يعملون ، وإذا طلبوا فمنه يطلبون ، وإذا رغبوا فإليه يرغبون ، أولئك خواصّ اللّه تعالى السابقون المقرّبون . وقال بعضهم : للعارف أربع علامات ؛ لسانه مشغول بتلاوة القرآن ، ولونه أصفر من خوف الهجران ، ونفسه ذائبة من خوف الرحمن ، وقلبه زاهر بنور الإيمان .