عبد الملك الخركوشي النيسابوري
308
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
فرفعنا فإذا هو درهم فاشرينا له سويقا فنظفناه جهدنا ثم سقينا ، فلمّا صار في حلقه شرق به فخشيت أن يموت ، فقلت له : ويحك يا عطاء لقد نظفنا السّويق جهدنا ، فما الذي أصابك ، فقال : ويحك يا بشر ، حين صار في فمي وجدت برد الماء ، ذكرت هذه الآية : إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً ( 12 ) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً « 1 » ، فو اللّه ما ملكت نفسي أن أصابني ما رأيت . وعن صالح بن عبد اللّه الخراز قال : خرجنا نريد عبادان ، فصرنا في بعض الأزقة ومعنا صاحب لنا يقرأ ، فإذا امرأة على بعض تلك السطوح ، فصرخت ثم سقطت ، فحملت ، ثم أدخلت الدار ، واللّه ما برحنا حتى ماتت ، ونودي في أهل البصرة فاحتشد الناس ، فلما حملت على النعش صاح الناس وضجوا بالبكاء ، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم . وعن مضر القارئ ، قال : كنت أقرأ على عبد الواحد بن زيد يوما وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ « 2 » ، فجعل يشهق حتّى ظننت أن نفسه ستخرج ، ثم أفاق إفاقة وقال كيف بالقلوب إذا كانت لدى الحناجر ، ثم غشى عليه فحمل إلى أهله . وقرأ مضر القارئ يوما هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 3 » ، فبكى عبد الواحد حتّى غشى عليه ، ثم أفاق فقال : وعزّتك لا عصيتك جهدي أبدا فأعنّى بتوفيقك على طاعتك . وعن بعضهم قال : تلا رجل عند عبد اللّه بن حنظلة هذه الآية لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ « 4 » ، فبكى حتّى ظننت أنّ نفسه ستخرج ، ثم قالوا : صاروا بين أطباق الثرى ، ثم قام على راحلته فقال قائل : يا أبا عبد الرحمن اقعد ، فقال : منعني ذكر جهنّم عن القعود ولا أدرى لعلى أجد أهلها . وقال قتادة : كان شيخ يقال له مسور بن مخرمة ، وكان لا يقوى أن يسمع القرآن من شدة خوفه ، ولقد كان يقرأ عنده الآية فيصيح الصيّحة فما يعقل أياما حتى أتى عليه رجل من خثعم ، فقرأ عليه يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ
--> ( 1 ) سورة المزمل : 12 ، 13 . ( 2 ) سورة غافر : 18 . ( 3 ) سورة الجاثية : 29 . ( 4 ) سورة الأعراف : 41 .