عبد الملك الخركوشي النيسابوري
296
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
الصوفية . وقال : إنّا نجد في كتبنا أن الصديق المخلص من أمة محمد عليه السلام لا تخطىء فراسته . وقال الفرغاني : كنت أمشى يوما خلف دابة أبى عثمان ، وكان وحلا فوقع في خاطري ، وقلت : هذا الرجل على هذه الدابة لا يعلم أنا نجد البرد ، ويشق علينا المشي في هذه الأوحال ، قال : فنزل أبو عثمان في الوقت عن دابته وقال لي : اركب ، فركبت ، فجعل أبو عثمان يمشى خلف الدابة وأنا راكب وفي قلبي ما فيه ، فلما بلغت باب الدار ونزلت قال لي : يا فرغانى أنت إذا مشيت خلف الدابة وأنا راكب يكون في قلبي مثل الذي يكون في قلبك ، وأنا أمشى وأنت راكب أو أشد . وقال شاه الكرماني : من غضّ بصره عن الحرام ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وعوّد نفسه أكل الحلال ، لم تخطىء فراسته . وعن زكريا بن ذكرويه قال : دخل أبو العباس بن مسروق على أبى الفضل الهاشمي وهو عليل ، وكان ذا عيال ولم يعرف له سبب ، فلما قمت قلت في نفسي : من أين أكل هذا الرجل ؟ قال : فصاح بي ، يا أبا العباس ردّ هذه الخواطر الرّديئة ، والهمّة الدنية ، فإنّ للّه عزّ وجلّ ألطافا خفيّة . وعن أبي موسى الديبلى قال : سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل ، فقال لي : لو أدخلت يدك في فم التنين حتى تبلغ الرسغ ، لم تخف مع اللّه عزّ وجلّ شيئا . قال أبو موسى : فخرجت إلى أبى يزيد البسطامي أسأله عن التوكل ، فدخلت بسطام ودققت عليه الباب ، فقال لي : يا أبا موسى أما كان لك في جواب عبد الرحمن قناعة حتى تجيىء وتسألني فقلت : افتح الباب ، فقال : لو زرتنى لفتحت لك الباب ، جاء الجواب من الباب ، فانصرف لو أن الحية المطوقة بالعرش جاءت تهم بك لم تخف مع اللّه عزّ وجلّ شيئا . قال أبو موسى : فخرجت حتى جئت إلى ديبل فأقمت بها سنة ثم اعتقدت الزيارة فرحت إلى أبى يزيد : فقال : زرتنى مرحبا بالزائر ادخل ، فأقمت عنده شهرا لا يقع لي شئ إلا أخبرني به قبل أن أسأله ، فقلت : يا أبا يزيد ، أخرج وأريد الفائدة منك أخرج بها من عندك ، فقال لي : اعلم أن فائدة المخلوقين ليست بفائدة ولكن حدثتني أمي أنها كانت حاملا بي فكانت إذا قدمت لها القصعة من حلال امتدت يدها فأكلت ، وإن كانت من حرام جفت فلم تأكل ، اجعلها فائدة وانصرف ، فجعلتها فائدة وانصرفت .