عبد الملك الخركوشي النيسابوري
295
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
- وسئل آخر عن الفراسة ، فقال : أرواح تتقلب في الملكوت ، فتشرف على معاني الغيوب ، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة لا نطق الظنون والحسبان . وقيل : أهل الفراسة مخاطبون ببواطنهم ، كما أنهم مخاطبون بظواهرهم فلا يشكل على بواطنهم خبر ، كما لا يشكل على ظواهرهم حكم . وعن أنس بن مالك قال : دخلت على عثمان بن عفان رضى اللّه عنه ، وكنت لقيت امرأة في الطريق ، فنظرت إليها نظرا شزرا ، وتأمّلت محاسنها ، فلمّا دخلت عليه قال لي : يدخل علىّ أحدكم وآثار الزناء ظاهرة في عينيه ، أما علمت أنّ زنا العيون النظر ، لتتوبنّ أو لأعزّرنك ، فقلت له : أوحى بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : لا ، ولكن تبصرة وبرهان ، وفراسة صادقة . وعن حمزة بن عبد اللّه العلوي قال : دخلت على أبى الخير التينانى ، وكنت قد اعتقدت في سرى فيما بيني وبين اللّه ، أن أسلم عليه وأخرج ولا أتناول عنده طعاما ، ثم دخلت وسلمت عليه وخرجت من عنده ، فلما تباعدت عن القرية فإذا به قد حمل معه طعاما ، فقال لي : يا حمزة كل هذا فقد خرجت الساعة من اعتقادك . وعن أبي سعيد الخراز قال : دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيرا عليه خرقتان فقلت في سرى : هذا وأشباهه كلّ على الناس ، فناداني وقال : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ « 1 » ، فاستغفرت اللّه تعالى في سرى فناداني فقال : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ « 2 » ، ثم غاب عنى فلم أره . وعن إبراهيم الخواص قال : بينما نحن جلوس جماعة من أصحابنا في جامع المدينة ببغداد ، إذ أقبل إلينا شاب ظريف ، عاقل ، حسن الوجه ، حسن اللّباس ، طيّب الراحة ، حسن الأدب ، فسلّم وجلس إلينا ، فلما أن فاتحنا الكلام وأنس بنا وجدنا مخبره أحسن من منظره وظاهره ، فما زال معنا ، فتفرست فيه أنه يهودي ، فقلت لأصحابي ما وقع لي ، فأنكروا ذلك لما كانوا يشاهدون من عقله وفهمه وحسن ثيابه ، ثم غاب عنا وخرجت أنا في بعض أسفارى ، فعاودهم فسأل عنى ، فأخبر إني غائب فسألهم وألحّ عليهم ، وقال : ما الذي قال صاحبكم في فاحتشموا أن يعرفوه ما كنت ذكرت فيه ، فقالوا : ما قال إلا خيرا ، فنناشدهم بما يعتقدونه ، فأخبروه بما قلت ، فأسلم وحسن إسلامه ، وصار من كبار
--> ( 1 ) سورة البقرة : 235 . ( 2 ) سورة الشورى : 25 .