عبد الملك الخركوشي النيسابوري
28
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
الإنسان بوجود نفسه ، وما يناله من الآلام والآفات ، وحقائق ما يحسّ من المحسوسات ، من طول وقصر ، وحلو وحامض ، وحسن وقبيح ، ولين وخشونة ، ورائحة وصوت ، وما يشاكلها . والتي اختيار اكتساب معرفة القديم سبحانه وصفاته ، ومعرفة الأعراض ، وكل شئ يعرف بالفكرة والاستدلال فهي معرفة اختيار واكتساب . فإلى هذا القول ذهب الحارث المحاسبي ، وابن كلاب في علماء أصحاب الحديث وأكثر المعتزلة . قال أبو سعد : والمعرفة باللّه تعالى ، هي العلم باللّه تعالى وبصفاته ، نحو أن تعلم أنه حي موجود ، قادر عالم ، سميع بصير ، متكلم مريد ، قديم باق ، لا يشبهه شئ ولا يشبه شيئا من المخلوقات ، لا بذاته ولا بصفاته ، وقد بينت هذه المسألة على الاستقصاء في كتاب ( الخلاص والنجاح ) ، وأما كلام هذه الطبقة في باب المعرفة ، فقد روى عن المغلس بن شداد أنه قال : واللّه ما نال رجل من الدنيا إلا أعمى اللّه تعالى قلبه ، وبطل عمله عليه ، إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق الدنيا مظلمة ، وجعل الشمس فيها ضياء ، وخلق القلوب مظلمة ، وجعل المعرفة فيها ضياء ، فإذا جاء السحاب ذهب بنور الشمس ، وكذلك يجئ حبّ الدنيا فيذهب بنور المعرفة من القلب . قال أبو محمد المرتعش النّيسابورىّ : العارف صيد المعروف ، اصطاده ليكرمه ويجلسه في حظيرة القدس . وقيل : حقيقة المعرفة نور طرح في قلب المؤمن ، وليس في الخزانة شئ أعز من المعرفة . وقيل : المعرفة حياة القلب ، يحييه اللّه تعالى بها ، قال اللّه تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يعنى عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها « 1 » يعنى أبا جهل بن هشام . وقال بعضهم : شمس قلب العارف أضوأ وأشرق من شمس قلب النهار ، لأنّ شمس النهار قد تكسف ، وشمس القلوب لا كسوف لها ، وشمس النهار تغرب بالليل ، وشمس القلوب ليست تغيب . وأنشدت : إنّ شمس النهار تغرب بالليل * وشمس القلوب ليست تغيب من أحبّ الحبيب طار إليه * اشتياقا إلى لقاء الحبيب
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 122 .