عبد الملك الخركوشي النيسابوري
29
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال ذو النون : المعرفة اطّلاع الحقّ على الأسرار ، بمواصلة لطائف الأنوار . وأنشدت في هذا المعنى لبعض العارفين : للعارفين قلوب يعرفون بها * نور الإله بسر السرّ في الحجب صم عن الخلق ، عمى عن خواطرهم * بكم عن النطق في دعواه بالكذب - سئل الشبلي : أىّ شئ أعجب ؟ قال : قلب عرف اللّه ثم عصاه . - وسئل عبد اللّه بن المبارك عن المعرفة ، فقال : أن لا تتعجب من شئ . وقيل لبعضهم : ما حياة القلب ؟ قال : المعرفة . قيل : وما المعرفة ؟ قال : حياة القلب بالمحيى . وقيل لآخر : ما حقيقة المعرفة ؟ قال : رؤية الحقّ مع فقدان رؤية ما سواه ، حتى تصير عنده جميع مملكة اللّه تعالى في جنب رؤية اللّه تعالى ؛ أصغر من خردلة في جميع مملكته ، فهذا لا تحتمله قلوب أهل الغفلة وعامة الناس . - وسئل آخر عن حقيقة المعرفة ، فقال : هي الانقطاع بالقلب إلى اللّه عزّ وجلّ ، وتجريد السرّ عن كلّ ما دون الحقّ للحقّ . - وسئل : متى يعرف العبد أنه على تحقيق المعرفة ؟ فقال : إذا لم يجد في قلبه مكانا لغير ربّه عزّ وجلّ . وقال بعض العلماء حقيقة المعرفة مشاهدة الحق بالسرّ ، بلا واسطة ولا كيف ، ولا شبه . - كما سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقيل : يا أمير المؤمنين تعبد من ترى أو من لا ترى ؟ فقال : لا ، بل أعبد من أرى لا رؤية العيان ولكن رؤية القلب . وقيل لجعفر الصادق رضى اللّه عنه : هل رأيت اللّه تعالى ؟ قال : لم أكن لأعبد ربا لم أره ، قيل له : كيف رأيته وهو لا تدركه الأبصار ، قال : لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يحس بالحواس ، ولا يقاس بالناس . - وسئل ذو النون عن حقيقة المعرفة ، فقال : تخلية السرّ عن كل شئ أراده ، وترك ما عليه العادة ، وسكون القلب إلى اللّه عزّ وجلّ بلا علاقة ، وترك الالتفات إلى ما سواه . وقيل : لا يقدر أحد أن يخبر عن المعرفة على التحقيق إلا الربّ سبحانه ، فإنّ المعرفة منه بدت وإليه تعود .