عبد الملك الخركوشي النيسابوري
267
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
لم يعينونا على شد الأثقال ، فضحك عبد اللّه ، ثم قال : إنا لا نعين الضيف على الارتحال عنا ، فعجب الضيف من كرمه . وقال بعضهم : ولا أقول لضيفى حين يطرقني * من أنت أم كم تريد المكث يا رجل أقريه مالي وبشرى ما أقام بنا * والدمع يجرى ما أقام به الرحل الرزق يبلغه والجود لي شرف * والمال يفنى وشر الشيمة البخل وأوصى عبد اللّه بن طاهر بنيه فقال : يا بنى ، إذا ما أبوكم عاقه عائق عن تفقد الأضياف فاكفلوهم ولو بروح أبيكم . وأنشأ يقول : لج الزمان علىّ في تضييقه * كيما إلىّ يحبب الأموالا وعلىّ إثم الشرك إن أنا شئتها * إلّا لأنفق يمنة وشمالا وحكى أن رجاء بن حيوة عاتب الزهري في كثرة الإسراف ، فوعده أن يقصر عنه ، فمر به رجاء بالغد والزهري قد وضع موائد من العسل ، فقال له يا أبا بكر ، هذا الذي افترقنا عليه بالأمس ؟ فقال له الزهري : انزل فإن السّخى لا تؤذيه التجارب . وقال الأصمعي : دخلت البادية ، فبينا أنا أسير في ليلة باردة ، فإذا بخيمة فيها فتى وعلى رأسه غلام ، والفتى ينشد : أوقد فإنّ الليل ليل قرّ * والريح يا واقد ريح صرّ عسى يرى نارك من يمرّ * إن جلبت ضيفا فأنت حرّ قال : فتقدمت إلى باب الخيمة ، فرد علىّ السلام وقال : ادخل يا مبارك علينا وعلى رقيقنا ، فإذا فتى ما رأيت مثله قط في حسن وجهه وكمال عقله ، وكنت عنده ثلاثة أيام لم يسألني عن شئ ، وكان كل يوم يزداد برا وكرما فلما كان اليوم الثالث قال : يا ضيف ما قصتك ؟ فطمعت فيه لكرمه ، فقلت : أيدك اللّه ، إنّ على ديات وهربت من البصرة ، فقال : يا غلام اجمع المواشي ، فجمع ما كان للفتى من المواشي ، فقال : يا ضيف لست أعلم مبلغ دياتك ، وليس لي شئ سوى هذا ، وقد جعلته معك نصفين ! ! فانصرفت إلى البصرة ، فلم أر أحدا أكرم منه .