عبد الملك الخركوشي النيسابوري

247

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

- وسئل بعض الأعراب فقيل له : من سيدكم ؟ قال : من احتمل شتمنا ، وأعطى سائلنا ، وأغضى عن جاهلنا . وكان الأشعث بن قيس يقول لقومه : إنما أنا رجل منكم ليس لي فضل على أحد منكم ، ولكن أبسط لكم وجهي ، وأبذل لكم مالي ، وأقضى حقوقكم ، وأعود مريضكم ، وأتبع جنائزكم ، فمن فعل هذا فهو مثلي ، ومن زاد علىّ فهو خير منى ، ومن قصر عنى فأنا خير منه . - وسأل رجل الحسن بن علي حاجة ، فقال له : يا هذا حق سؤالك إياي يعظم لدى ، ومعرفتي بما يجب لك تكثر علىّ ، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله ، والكثير في ذات اللّه تعالى قليل ، وما في ملكي وفاء لشكرك ، فإن قبلت الميسور ورفعت عنى مؤونة الاحتيال والاهتمام ، لما أتكلفه من واجبك ، فعلت ، فقال : يا ابن رسول اللّه ، أقبل وأشكر العطية ، وأعذر على المنع ، فدعا الحسن بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها ، فقال : هات الفاضل من الثلثمائة ألف ، فأحضر خمسين ألفا ، قال : فما فعل بالخمسمائة دينار ، قال : هي عندي ، قال : أحضرها . فأحضرها ، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل ، فقال : هات من يحملها لك ، فأتاه بحمالين ، فدفع إليهما الحسن رداءه لكراء الحمل ، فقال مواليه : واللّه ما عندنا درهم واحد ، قال لكني أرجو أن يكون لي عند اللّه أجر عظيم . واجتمع قراء البصرة إلى عبد اللّه بن عباس وهو عامل على البصرة ، فقالوا : لنا جار صوام قوام يتمنى كل واحد منا أن يكون مثله ، وقد زوّج بنتا له من ابن أخيه وهو فقير ، وليس عنده ما يجهزها به ، فقام عبد اللّه بن عباس فأخذ بأيديهم وأدخلهم داره ، ففتح صندوقا فأخرج منه ستة بدر ، فقال : احملوا ، وحمل ابن عباس معهم حتى صاروا إلى منزل الرجل فسلموا المال إليه ورجعوا ، فقال ابن عباس : ما أنصفناه ، أعطيناه ما يشغله عن قيامه وصيامه ، ارجعوا بنا نكن أعوانه على تجهيزها ، فليس للدنيا من القدر ما يشغل مؤمنا عن عبادة ربه عزّ وجلّ ، وما بنا من التكبر ما لا نخدم أولياء اللّه تعالى ، ففعل وفعلوا . وقال علي بن الحسين : من وصف ببذل ماله لطلابه لم يكن سخيا ، وإنما السخى من يبتديئ بحقوق اللّه عزّ وجلّ في أهل طاعته ، ولا تنازعه نفسه إلى حب الشكر له إذا كان يقينه بثواب اللّه عزّ وجلّ تاما . وقيل للحسن البصري : يا أبا سعيد ما السخاء ؟ قال : أن تجود في اللّه تعالى ، قيل : فما الحزم ؟ قال : أن تمنع مالك فيه ، قيل : فما الإسراف ؟ قال : الإنفاق لحبّ الرياسة .