عبد الملك الخركوشي النيسابوري
248
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وحكى أنه لما أجدب الناس بمصر وعبد الحميد بن سعد أميرهم فقال : واللّه لأعلمن الشيطان أنى عدوه ؛ فعال محاويجهم إلى أن رخصت الأسعار ثم عزل عنهم ، فرحل وللتجار عليه ألف ألف درهم ، ورهنهم بها حلى نسائه وقيمتها خمسة آلاف ألف درهم ، فلما تعذر عليه ارتجاعها كتب إليهم ببيعها ودفع الفاضل منها عن حقوقهم إلى من لم تنله صلاته منهم . وكان أبو صالح بن كثير شيعيا ، فقال له رجل : بحقّ علىّ بن أبي طالب لما وهبت لي نخلتك بموضع كذا ، قال : قد فعلت وحقه لأعطينّك ما يليها ، وكان ذلك أضعاف ما طلب الرجل . وكان أبو مرثد أحد الكرماء ، فمدحه بعض الشعراء ، فقال للشاعر : واللّه ما عندي ما أعطيك ، ولكن قدّمنى إلى القاضي وادّعى على عشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها ، ثم احبسنى فإن أهلي لا يتركونى محبوسا ، ففعل ذلك ، فلم يمس حتى دفعت إليه عشرة آلاف درهم ، وأخرج أبو مرثد من الحبس . وكان معن بن زائدة عاملا على العراقين بالبصرة ، فحضر بابه شاعر ، فأقام مدة وأراد الدخول على معن ، فلم يتهيأ له ، فقال يوما لبعض خدم معن ، إذا دخل الأمير البستان فعرفني ، فلما أراد معن البستان أعلمه ، فكتب الشاعر بيتا على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل بستان معن ، وكان معن على رأس الماء ، فلما بصر بالخشبة أخذها وقرأها ، فإذا فيها مكتوب : أيا جود معن ناج معنا بحاجتي * فما لي إلى معن سواك شفيع قال : فقال : من صاحب هذه ؟ فدعى بالرجل ، فقال له كيف قلت ؟ فقاله ؛ فأمر له بعشر بدر ، فأخذها ووضع الأمير الخشبة تحت بساطه ، فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط وقرأ ما فيها ودعا بالرجل ، فدفع إليه مائة ألف درهم ، فلما كان اليوم الثالث أخرجها فقرأها ودعا بالرجل ، فدفع إليه مائة ألف درهم ، فلما أخذها الرجل تفكر وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه وخرج ، فلما كان في اليوم الرابع قرأ ما فيها ودعا بالرجل فطلب فلم يوجد ، فقال معن : حقّ على أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار . وقال أبو محمد البلاذري : فرأيت أبا عثمان الحيري يذكر هذا البيت ثم يقول : أيا جود ربىّ ناج ربّ بحاجتي * فما لي إلى ربى سواك شفيع