عبد الملك الخركوشي النيسابوري

160

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

فجعلت أقدّم رجلا وأؤخّر أخرى ، فقال لي سهل : ادخل ، أيما أحسن : أنسنا بها أو أنسها بنا ، ثم قال : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شئ يخافه . ثم قال : هل لك إلى صلاة الجمعة ؟ قلت : بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة ، فأخذ بيدي ، فما كان إلا قليلا حتى رأيت المسجد ، فدخلنا وصلينا الجمعة ، ثم خرجنا فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون من المسجد ، فقال : أهل لا إله إلا اللّه كثير ، والمخلصون منهم قليل . وقال بعضهم : ينبغي للمريدين أن تكون فيهم ثلاث خصال : ترك الآفات ، وإخلاص الطاعات ، وانتظار الكرامات . وعن عطية في قوله عزّ وجلّ : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا « 1 » ، قال : أخلص للّه تعالى إخلاصا . وعن أبي ثمامة قال : قال الحواريون لعيسى ابن مريم عليه السّلام : ما الخالص من الأعمال ؟ قال : « الذي يعمل العمل للّه تعالى ، لا يحب أن يحمله عليه أحد » . وقال ذو النون : اعلموا أنه لا يصفو للعامل عمل إلا بالإخلاص ، فمن أخلص للّه تعالى لم يرج غير اللّه تعالى ، واعملوا للّه لا قبول لعمل يراد به غير اللّه تعالى ، فمن أراد طريقا قريبا إلى الإخلاص فلا يدخلن في إرادته أحدا غير اللّه تعالى . وعن حفص عن شمر قال : يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب ، وفي صحيفته أمثال الجبال ، فيقول له ربّ العزة جلّ جلاله : « صليت يوم كذا وكذا ليقال صلّى فلان ، أنا اللّه الذي لا إله إلا أنا ، لي الدين الخالص ، صمت يوم كذا وكذا ليقال صام فلان ، أنا اللّه الذي لا إله إلا أنا لي الدين الخالص ، تصّدقت يوم كذا وكذا ليقال تصدّق فلان أنا اللّه الذي لا إله إلا أنا لي الدين الخالص » ، فلا يزال يعد شيئا بعد شئ حتى تبقى صحيفته ما فيها من شئ ، فيقول ملكاه : يا فلان ألغير اللّه كنت تعمل ؟ ! وقال ابن عطاء : الإخلاص حفظ السر مع الحق . وقال الجنيد : الإخلاص تصفية الأعمال من الكدورات . وعن معروف الكرخي أنه قال لنفسه : يا نفس أخلصى وتخلصى . وقال يحيى بن معاذ : العمل يحتاج إلى خصال ثلاث : العلم ، والنية ، والإخلاص . وروى أن النّبى صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الإخلاص ، فقال : « أن تقول : ربّى اللّه ثمّ تستقيم كما أمرت » .

--> ( 1 ) سورة المزمل : 8 .