عبد الملك الخركوشي النيسابوري

121

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

وقال أبو عثمان : أهل ولاية اللّه تعالى ثلاثة أصناف : الأنبياء ، والملائكة ، والصديقون ، قال اللّه عزّ وجلّ في الأنبياء عليهم السلام : وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ « 1 » ، وقال في الملائكة : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ « 2 » ، وقال في الصديقين : وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ « 3 » . وقال أبو سليمان : أصل كل خير من الدنيا والآخرة الخوف من اللّه تعالى ، فإذا غلب الرجاء على الخوف أفسد القلب . وقال أبو حفص : الخوف سوط اللّه تعالى يقوم به أبدان الشاردين من عباده . وقال أيضا : الخوف سراج القلب ، به يبصر ما في القلب من الخير والشرّ . وقال إسحق بن خلف : ليس الخائف من بكى وعصر عينيه ، إنما الخائف من ترك الأمر الذي يخاف أن يعذب عليه . وقال الفضيل بن عياض : ما خوفنا عند خوف من كان قبلنا ، إلا بمنزلة أعشى قاد عميانا ، فلما أبصر من الضوء قليلا ، قال العميان : فلان بصير . وعن محمد بن المبارك الصوري قال : مقامات الخائفين تسعة : الحزن الدائم ، والغمّ الغالب ، والخشية المقلقة ، وكثرة البكاء ، والتضرع في الليل والنهار ، والهرب من مواطن الراحة ، ووجل القلب ، وتنغيص العيش ، ومرافقة الكمد . وكان علي بن الفضيل لا يستطيع أن يقرأ الْقارِعَةُ ولا تقرأ عليه . وقيل للفضيل : بم بلغ أبوك الخوف الذي بلغ ؟ قال : ثقل الذنوب فحدّث به أبو سليمان فقال : لقد يكون أكثرهم ذنوبا أخوفهم للّه تعالى . وقال أبو عمرو الدمشقي : الخائف من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان ، والخائف الذي تخافه المخلوقات . وبلغنا أن الحواريين قالوا لعيسى بن مريم عليه وعليها السّلام : علمنا العلم الأكبر ، فقال لهم عيسى : « ما العلم الأكبر إلا ثلاثة أشياء : الخوف من اللّه عزّ وجلّ ، والحب للّه عز وجل ، والرضا عن اللّه عزّ وجلّ » .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 90 . ( 2 ) سورة النحل : 50 . ( 3 ) سورة الرعد : 21 .