عبد الملك الخركوشي النيسابوري
102
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
ولم تحتمل الأذى ، ولم تصبر على مرارة التقوى ، فأنت أعمى . قال : قلت فمتى أكون بصيرا ؟ قال : إذا لم تأس على ما فاتك ، ولم ترج ما لا تنال ، وتصبرت على الشدة ، فعندها تكون بصيرا . وقال الحسن بن علي عليهما السّلام : الصبر وصية اللّه تعالى في الأرض ، من حفظها نجا ، ومن ضيعها هلك . وقال سهل بن عبد اللّه : أصل الآفات كلها قلة الصبر على الأشياء ، وغاية شكر العارف معرفته بعجزه عن بلوغ الشكر . وقالت رابعة : لو كان الصبر رجلا لكان كريما . ووجد هذان البيتان مكتوبان على قبر نجار : اصبر لدهر نال منك * فهكذا مضت الدّهور فرحا وحزنا مرة * لا الحزن دام ولا السرور وقال الجنيد : ما أحب أن يتجلّد إنسان ، لأن أيوب عليه السلام تجلّد فعوتب ، وإن الصّبر إذا لم يكن مبارزة فثمرته الشكاية ، لأنّ أيوب عليه السلام لما كان صبره غير مبارزة أثنى اللّه تعالى عليه : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ « 1 » ، ولما كان صبره مبارزة ابتلى حتى قال مَسَّنِيَ الضُّرُّ « 2 » . - وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان ، فقال : « الصّبر والسماحة » « 3 » . - وسئل بعضهم عن الصّبر الجميل ، فقال : باطنه الرضا . وقال آخر : الصّبر الجميل ما كنت مستعينا فيه بربّك عزّ وجلّ . وعن أحمد بن الفضيل قال : سمعت الشبلي يقول : بصبر ساعة تتمّ الطّاعة . وقال أبو علي الجوزجاني : من لزم باب مولاه ؛ فماذا بعد اللزوم إلا الافتتاح ، ومن صبر عليه ، فماذا بعد الصبر إلا الوصول إليه . وقيل : الصبر تعذيب الأجساد وراحة الأرواح . وصبر التائبين عن الذنوب ، وصبر العابدين في الطاعات ، وصبر الزاهدين عن الشهوات .
--> ( 1 ) سورة ص : 44 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 83 . ( 3 ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ( 8 / 234 ) .