أبي طالب المكي

97

علم القلوب

فتجردت هممهم وأسرارهم ، فهم بالوحدانية مطالبون ، وبتجريد التوحيد مرادون ، توحشهم الأزواج ، وتكدرهم ولائج الأغيار ، ويؤنسهم البار ، لا يحتملون غنج « 1 » مخلوق ، ويؤلمهم مسقط [ ال ] ذباب لما في أسرارهم من غليان نار التوحيد ، لا يخافون إلا من واحد ، ولا يعملون إلا للواحد ، ولا يشيرون إلا إلى الواحد ، فهم وحش اللّه في أرضه ، وغرباؤه من بين جميع خلقه ، ولا قرار لهم ولا فرار ، وأنشد لبعضهم : ووحشى الطبيعة مستهام * نفور القلب تأباه الديار خيالي التألف ذو « 2 » انفراد * غريب اللّه مأواه القفار وقال أبو يزيد البسطامي : لم أزل أرجو في الملك والملكوت أربعين سنة أطلب الواحد ، ولا يقر بي القرار ، ولا يخمد فىّ لهب النار ، فما رأيت إلا أزواجا ، وأشباها ، وأضدادا ، وقواطع ، فناديت على حد طرف الفنا : وا غوثاه ، هذا الفاني المقصود ، فأين الواحد المعبود ؟ فهتف بي هاتف منى في : يا أبا يزيد ، هل تجد في ملكنا وملكوتنا مكانا يصلح لنا نسكن فيه ؟ ها نحن معك ، فأنت مع من ؟ وها نحن عندك ، فأنت عند من ؟ وها نحن لك ، فأنت لمن ؟ فقلت : سبحانك اللّه ، الملك قد نزل في الدار ، فأين أنت يا غدار ؟ فما تسأل عن حالك من كان تحرقه النار ، وهو بعيد من النار ، وكيف وقد صار معدن النار ؟ فأين المخلص ، وأين الفرار ؟ وأين الراحة ، وأين القرار ؟ فما مثلي إلا كما قال العامل : أخذت نارا بيدي * أشعلتها في كبدي إلى من أشكو سيدي * قتلت نفسي بيدي يا حاضري يا ناظرى * ارحم فقد أحرقتنى يا أخي ، إن كنت تطلب الواحد ، فاهجر ما دون الواحد ، كي تحصل لك محبة الواحد . وقال جعفر بن محمد الصادق ، رضى اللّه عنه ، في قوله عز وجل : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [ الذاريات : 49 ] ، قال : لينظر الموحد إلى الأشياء بعين الاعتبار ، فيراها أزواجا فيفر منها ، ويرجع إلى الواحد الأحد ليصح له التوحيد بذلك .

--> ( 1 ) أي تدلل مخلوق . ( 2 ) في الأصل : ذي .