أبي طالب المكي
98
علم القلوب
وقال أبو عثمان المغربي : الشيطان يدعوك إلى الأمنية ، وهو لك عدو مضل مبين ، والنفس تدعوك إلى الشهوات واللذات ، إن النفس لأمارة بالسوء ، والخلق يدعوك [ ن ] ك إلى المعاصي والمخالفات ، وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ [ الفرقان : 20 ] ، وأهلك وولدك يدعونك إلى جميع المال وإنفاق العمل في طلب مهماتهم ، أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ الأنفال : 28 ] ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [ الذاريات : 50 ] . وكان من دعاء النبي ، عليه السلام : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك ، ولا تكلني إلى مخلوق فأضيع » ، اكلأنى كلاءة « 1 » الوالدة الشفيقة [ ب ] ولدها ، فهذه حقيقة الفرار إلى اللّه عز وجل ، وهذا فرار الرسول صلى اللّه عليه وسلم مما سوى اللّه ، ثم فر بعد هذا من اللّه إلى اللّه ، فذلك قوله ، عليه السلام : « أعوذ بك منك » . وقال بعض أهل المعرفة : جلست إلى أبى الحسن الأطروش ، [ و ] كان من أجلة المشايخ ، فقلت له : أوصني بوصية أحفظ [ ها ] عنك ، قال : على أن تقبل منى ؟ قلت : نعم إن شاء اللّه تعالى ، فقال : فر من اللّه ، فقلت : يا سبحان اللّه ، ما هكذا « 2 » سمعت اللّه يقول ، إنما قال : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذاريات : 50 ] ، وكل الناس أمروا بالفرار إلى اللّه ، وأنت تقول : فر من اللّه ، فما المعنى فيه ؟ قال : لا تدع « 3 » مع اللّه دعوى يطالبك بحقيقة ما أشرت إليه [ فيها ] ، فيفضحك عن لسان نفسك ، فقلت له : فما تأمرني أن أعمل ؟ قال : ابسط بساط الضعف ، والعجز ، والفاقة ، والفقر ، وتبصيص حوله ، وانتظر أمره . وقال عبيد اللّه الجبلي : أفقر ما يكون العبد إلى اللّه إذا كان مع اللّه ، والآن أكون ها هنا وأنا ثم « 4 » أحب إلى من أن أكون ، ثم وأنا ها هنا « 5 » .
--> ( 1 ) في الأصل : كلنى كلاية . ( 2 ) في الأصل : يا هكذا . ( 3 ) في الأصل : ندعى . ( 4 ) أي مع اللّه . ( 5 ) الفرق بين الحالتين هو الفرق بين الكينونة والأنا ، فالكينونة بالفكر والروح ، والأنا بالجسم ومطالبه المادية ، فيصير المعنى : لأن أكون بالفكر والروح في الحياة الدنيا مع اللّه وكل مطالبى المادية والجسمية هناك عند اللّه تعالى تحقيقا للفقر إلى اللّه ، أفضل أن أكون بعقلي وروحي مع اللّه ، وأنا مثبت ها هنا بمطالبى المادية أفكر فيها بنفسي وأرجوها من ربى ، فالحالة الأولى فرار من اللّه ، والحالة الثانية فرار إلى اللّه .