أبي طالب المكي

96

علم القلوب

ولا ندم في صحبته ، فإن إدراك رضا معبود واحد أيسر وأسهل من إدراك رضا العدد الكثير من المعبودين . وقال ذو النون المصري : الأنس باللّه نور ساطع ، الأنس بالمخلوقين غم واقع . قال : ودخل رجل من الفقراء مسجد الشبلي ، فقال : يا أبا بكر ، إن حالي أضيق من التسعين ، وورائي مطالبة العيال ، وأنا بهذا الحال ، فانظر في أمرى ، فقال الشبلي : قد نظرنا ، مر فاعمل عند اللّه حتى يسلفك « 1 » لما تعمل ، [ قال ] : فأي عمل ؟ قال : الفلاحة ، قال : هذا عمل لا أهتدى إليه ، قال : مر فاحرث موضع محرابك ، وابذر فيها بذر معرفتك ، في أرض توبتك ، ثم أنعم دق مدر حرثك بمدقة الإخلاص ، وأخف بذرك تحت دق المهراس « 2 » ، ثم خط في أرضك خطوط الزهد ، والقناعة ، والخوف ، والرجاء ، والحزن ، والحياد ، ثم شد مخارج الماء بالصبر والرضا ، ثم اسقه ماء اليقين ، ثم نظف بأيدي المحاسبة ، ثم احصد بمناجل الشوق والوله ، ثم اطرحه في بيدر الورع والمطالبة ، ثم دسه بأرجل العزلة والخلوة ، ثم كنسه مقابلا لرياح العناية ، ثم اجمع أطرافه بمجامع التوكل ، ثم ذريه بمذرى المشاهدة ، ثم اعزل بين خلطه وخالصه ، ثم اطحنه بطاحونة المراقبة والحياء ، ثم اعجنه في نقير الصدق والصفاء ، ثم اخبزه بنار المحبة والهيبة ، فإذا أكلت من هذا الكسب حبة ذهب عنك ألم الجوع والعطش ، وخوف الفقر ، وأبغضت « 3 » المداهنة ، والرياء ، والنفاق ، فيصير جسدك لطيفة ، وروحك روحانية خفيفة ، تطير في هواء الملكوت ، وتسرح في ميادين الجبروت ، ثم قال للفقير : قم يا مسكين ، فاعمل في هذا بجهدك ، فإن فيه نجاتك وعزك . وقال بعضهم في معنى قوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [ الذاريات : 49 ] ، كيلا تشغلوا بالأزواج ، وليكون « 4 » شغلكم بمزوج الأزواج ، فإن الاشتغال بالأزواج هو الضلال البعيد ، والانقطاع عن مزوج الأزواج هو الخسران المبين . وقال أبو يزيد البسطامي : إن للّه تعالى خواصا من عباده ، هبت عليهم رياح العناية ،

--> ( 1 ) السلف نوع من البيوع يعجل فيه الثمن وتضبط السلفة بالوصف . ( 2 ) المهراس حجر منقور يدق فيه ويتوضأ منه . ( 3 ) في الأصل : وبعض . ( 4 ) في الأصل : ولكن .