أبي طالب المكي
9
علم القلوب
تروى المراجع أن المكي قد هجره الناس في آخر حياته ؛ لأنه خلط في كلامه ، حتى لقد رموه بالبدعة ، ولا يستغرب انصراف الناس عن واعظ خلط في كلامه ، ولكن أليس من الجائز جدا أن تلك العبارة التي دعت إلى الشك في نسبة الكتاب إليه داخلة في نطاق هذا الخلط ؟ أو هي حق وعين الحق ؛ لأنها إحالة من أبى طالب المهجور إلى أبى طالب المشهود ، وإذا أخذنا في اعتبارنا أن كثيرا من كبار الصوفية أنكروا أسماءهم ، وصاروا أصحاب شخصيات متعددة ينسج لها حقها سابقها ، جاز لنا ألا نعتبر هذا القول داعيا إلى نفى نسبة الكتاب إليه . لقد فقد أبو يزيد البسطامي نفسه ، واسمه ، وشخصيته ، حينما جاء بعض المريدين من تلاميذ ذي النون المصري يسألون عنه ، فتساءل هو الآخر عن نفسه ، وقال : إنه يبحث هو الآخر عن أبي يزيد ، فلا يجده . ولو كان البسطامي رضى اللّه عنه من المؤلفين ، لأحال على كتبه السابقة بما أحال به أبو طالب على قوت القلوب ، وفي هذا الكتاب شواهد كثيرة تدل على أن الصوفية كانوا يعيشون بعيدا عن شخصياتهم في مقام الفناء ، وإذا كان سيد العارفين صلى اللّه عليه وسلم أنكر كل حال سبق أن اجتازه ، واستغفر اللّه تعالى منه ، فلا يستغرب من السالكين أن ينكروا شخصياتهم ، ويحيلوا إليه كما يحيل الإنسان على إنسان آخر ، لا سيما وقد شهد المؤرخون بأن المكي خلط في آخر عمره كما أسلفنا . أما القول بأن المراجع لم تذكر الكتاب ضمن مؤلفات المكي ، فلا يقوم حجة على الشك في نسبة الكتاب إلى مؤلفه ، إلا إذا أقمنا الدليل على أن حاجى خليفة مثلا اطلع على كل ما كتب في العلم قبل عصره ، وهو ما لا يمكن بأي حال من الأحوال ، وهنا آلاف الكتب لم تذكرها المراجع لمؤلفيها ، مع أنها ثابتة لهم دون شك ، ولكن المراجع كلها أجمعت على أن له مؤلفات في التوحيد ، وهل هذا الكتاب إلا من كتب التوحيد ؟ وعلى فرض أن الكتاب مجهول المؤلف ، فهل في ذلك ما يسقط الكتاب من ميدان العلم ومن قائمة الكتب التي تبث الفائدة في الناس ، وتطلعهم على جد من المعرفة ؟ ! إن كتاب علم القلوب ، يمثل مرحلة من مراحل حياة أبى طالب المكي ، حينما كان في بغداد ، وحينما جنى ثمرات مجاهداته ، وصار متحدثا بالأذواق ، وهو كتاب كما قلنا من قبل ، يتحدث في موضوعات جديدة ، ويفتح آفاقا جديدة ذكرنا بعضها ،