أبي طالب المكي
10
علم القلوب
ونضيف إليه أنه لحن من ألحان الأدب الصوفي الرفيع ، جدير بالبحث ، فكل النقول التي رواها المؤلف قطع أدبية رائعة ، ونغم من أنغام الروح ، يضفى كل على الكيان الإنسانى رهبة وحبا للكون . * * * مؤلف الكتاب هو محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي ، ويكنى أبا طالب ، وهو من أهل الجبل ، ونشأ بمكة ، وتجمع المراجع على إنه كان صاحب رياضات ومجاهدات عنيفة ، منها أنه ترك الطعام زمانا ، واقتصر على الحشائش المباحة ، حتى اخضر جلده من كثرة تناولها ، ومهما كان الاعتراض على هذا الخبر ، فإن شيئا واحدا لا يمكن الاعتراض عليه ، هو دلالة الخبر على غرابة الرجل في جهاده لنفسه ، وكفاحه لشهواتها ، وصدقه في ذلك ، وشهرته به حتى تناقل الناس عنه القصص ، الصحيح وغير الصحيح على السواء ، وتقول بعض المراجع : إنه كان في نهايته صاحب أسرار ومشاهدة ، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا إحدى ثمرات هذه المرحلة من حياته ، مرحلة الأسرار والمشاهدة ، ويدل على ذلك ما تراه في أنحاء الكتاب من هذا اللون كثيرا ، أما قوت القلوب ، فيغلب أنه ألف قبل هذا الكتاب ؛ لأنه يميل نحو المجاهدات والرياضات . وكان المكي واعظا ، ولم يكن شيخا للطريق ، ويروى أنه خلط في كلامه ، فهجره الناس وابتعدوا عنه ونسبوه إلى البدعة ، فامتنع هو عن الوعظ ، وتروى جميع المراجع أن له مصنفات في التوحيد ، بعد أن تذكر له قوت القلوب ، ولم يعلم من هذه المصنفات إلا هذا الكتاب الذي بين أيدينا ، وقد لقى كثيرا من الصوفية ، ولكنه تتلمذ على أبى الحسن بن سالم البصري شيخ السالمية بعد موته ، وحين دخل بغداد بعد ذلك وبقي بها إلى أن هجره الناس ومات سنة 286 هجرية ، ودفن هناك وقبره ظاهر يزار . * * * لماذا هجره الناس يروى صاحب تاريخ بغداد أن للمكى في القوات أقوالا مستبشعة في الصفات ، وينقل عنه أنه قال : « ليس على المخلوقية أضر من الخالق » ، وتوافقه