أبي طالب المكي
8
علم القلوب
إن الحقائق الصوفية مشاهدات ذوقية يحسها السالك ، ويستكشفها من خلال روحه هو ، ولا يقلده فيها سواه ، وهي ما رواه المكي عن أعلام التصوف في علم القلوب ، أما السلوك الصوفي ، فهو ما كتبه المكي في كتابه قوت القلوب . وقيل كذلك : إن المكي تعرض للحكمة في علم القلوب ، وهو موضوع لا يتفق مع ثقافته ، ولا مشربه الخاص ، والحكمة التي تحدث عنها المكي في علم القلوب هي تفسير الحكمة التي جاء بها القرآن الكريم في قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] ، وفسر كلمة الحكمة بأربعة عشر تفسيرا ، ليس من بينها ما تعنيه حكمة أفلاطون ولا أرسطو . لقد تحدث المكي عن الحكمة الإسلامية التي عناها القرآن الكريم ، وعد الموعود بها صاحب خير كثير ، ولا ينطبق هذا المعنى القرآني على حكماء الفلسفة ، إن اعترفنا لهم بالحكمة ولقبناهم بالحكماء على سبيل المجاز والتسليم الجدلي . على أن المعاني التي ساقها للحكمة يتألق من بينها حفظ القرآن ، وفهم لطائفه ، ورقائقه ، والورع ، والإصابة في القول والعمل ، وتلك هي المعاني الإسلامية الخاصة التي لا تبعث على الشك صدورها من عالم مسلم صاحب مجاهدات وسلوك . وممن نقل عنهم في معاني الحكمة ابن عباس ، والسدى ، رضى اللّه عنهما ، وهما في عصر متقدم على عصر المكي ، ولا يستقرب منهما ومن غيرهما تفسير آية في القرآن على السنن الإسلامي الصحيح . فلا وجه إذن للشك في الكتاب ؛ لأن صاحبه يتحدث عن الحكمة ، على أن الصوفية تحدثوا في حكمة الفلسفة ، ووجهوها الوجهة الصحيحة ، وصححوا ما فيها من أخطاء ، وهم في هذا الميدان عمالقة لا يشق لهم غبار . وقيل كذلك : إن المكي أحال في علم القلوب على قوت القلوب قائلا بعد تلك الإحالة : فمن أراد ذلك فليطالع كتابه ، يقصد قوت القلوب لأبى طالب المكي ، وهذا قول يدعو إلى الوقوف عنده حقا ، ولكنه لا يقطع يقينا بأن الكتاب منحول على أبى طالب ، إلا بعد أن نعود إلى دراسة شخصية المكي دراسة دقيقة .