أبي طالب المكي
75
علم القلوب
وقال مجاعة لأبى بكر الصديق ، رضى اللّه عنه : إذا كان العلم عند من لا يعمل [ به ] ، والسلاح عند من لا يقاتل [ به ] ، والمال عند من لا ينفقه ، والرأي عند من لا يقبل عنه ، ضاعت الأمور . وقال الأحنف بن قيس : كنت أطلب العلم عند مالك بن أنس ، وأطلب الحلم عند قيس بن عاصم ، ولقد حضرت يوما عنده ، فإذا نحن بجماعة ، ومنهم مقتول ، ومكتوف ، فوقفوا بين يديه ، فقالوا : هذا ابنك قتله ابن أخيك ، فو اللّه ما حل حبوته « 1 » حتى قال لابن له : قم فحل وثاق ابن عمك ووار أخاك ، وسق مائة من الإبل إلى أمه ، فإنها غريبة ، ثم التفت إلى ابن أخيه ، فقال : قتلت قرابتك ، ونقصت عددك ، وأذهبت عزك ، وقطعت رحمك ، فلا أبعد اللّه غيرك . قال أبو طالب : واعلم أن الكلام ينقسم [ إلى ] سبعة أقسام ، العلم منه قسم واحد ، وسائر الأقسام لغو مطرح يلتقطه من لا يعرفه ومن لا يفرق بين العالم والجاهل ، ولا يميز بين العلم والكلام ، والعرب تقول : لكل ساقطة لا قطة ، ولكل قائلة ناقلة . وقال الجنيد : العلم هو أن تعرف قدرك كم هو وما هو . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه ، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت عن جهله ، والقاص الذي يبتدئ بقص الأخبار ، ويذكر القصص والآثار من غير تخويف للسامعين ولا تزهيد للراغبين » . قال أبو طالب المكي : وقد كان فيم مضى للمتقدمين [ مجالس ] يجتمعون عليها قد اندرست في زماننا ، وكان للصالحين في علم اليقين والمعرفة مقامات وأحوال يتذكرها أهلها ، ويطلبون أربابها ، قد عفت عندنا لقلة الطالبين ، وعدم الراغبين فيها ، وذهاب السالكين طرقها ، منها : طلب علم الحلال ، وعلم الفرق بين شبهة الحلال وشبهة الحرام « 2 » ، وعلم
--> ( 1 ) يقال : احتبى الرجل ، إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته ، وقد يحتبى بيده ، والاسم الحبوة ، والجمع حبى . ( 2 ) شبه الحلال الأمر الذي تغلب عليه الحرمة ، ويشتبه في حله ، كالنبيذ ، والسماع بالنفس ، وشبه الحرام ما غلب عليه الحل ، ويشتبه في حرمته أو كراهته التحريمية ، كالتدخين إذا كان المدخن لا يحتاج إلى ثمن الدخان ، ولا تتضرر به صحته ، والفرق بينهما أن مرتكب ما فيه شبه الحلال جرما من مرتكب ما فيه شبه الحرام ، وكلاهما ليس فيه من الورع شئ .