أبي طالب المكي

74

علم القلوب

العالم أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت ، وفي الكلام تنميق لا زيادة ، وفي السكوت سلامة وعلم » . وقال الحسن البصري : يستدل على قلة صدق الرجل بكثرة كلامه . وقيل : الصمت زين العالم ، وستر الجاهل ، وكثرة الكلام تفضح الجاهل ، وتذهب ببهاء العالم . وقال أبو طالب المكي ، رضى اللّه عنه : كان التورع عن جواب المسائل ، والسكوت عن كثير من العلوم طلبا للسلامة معروفا ، [ و ] ذلك في الصحابة وخيار التابعين وصالحي السلف ، كما جاء في الأثر عن ابن مسعود ، رضى اللّه عنه : من أفتى الناس في كل ما يشتهونه فهو مجنون . وكان ابن عمر ، رضى اللّه عنه ، إذا سئل عن عشر مسائل ، أجاب عن واحد [ ة ] ، وكان عباس ، رضى اللّه عنه ، إذا سئل عن عشر مسائل ، أجاب عن واحد [ ة ] ، وسكت عن تسعة . قال أبو محمد سهل : العالم هو الذي يقعد فيسكت ، ويرفع قلبه إلى مولاه ، فيفتقر إليه في حسن توفيقه ، ويسأله أن يلهمه الصواب ، وأي شئ سئل عنه تكلم [ فيه ] بما فتح له مولاه ، وكان أنس بن مالك ، رضى اللّه عنه ، إذا سئل عن شئ يقول : سلو مولانا الحسن ، فإنه حفظ ونسينا . وقد جاء في الأثر : كانت « 1 » المسألة من العلم ، يسأل عنها الرجل من الصحابة فيردها « 2 » إلى آخر ، ويردها الآخر إلى الآخر ، حتى ترجع إلى الذي سئل عنها « 3 » أولا . وكان عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، إذا سئل عن مسألة جمع الصحابة ، فبدأ بأهل بدر ، ثم المهاجرين والأنصار ، فإذا لم يجد الجواب منهم وعندهم ، التفت إلى ابن عباس ، رضى اللّه عنه ، [ وقال ] : غص يا غواص ، يعنى استنبط من القرآن . قال : واختلف قوم إلى ابن مسعود ثلاثين يوما في مسألة ، فلا يحبيبهم عن ذلك ، ثم قال : أجيب فيها برأي ، فإن كان صوابا فمن اللّه ، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان ، واللّه ورسوله منه برئيان [ من ذلك ] . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت » .

--> ( 1 ) في الأصل : كان . ( 2 ) في الأصل : تردده . ( 3 ) في الأصل : عنه .