أبي طالب المكي
7
علم القلوب
حديثا ، ولا تسير في طريق واحد ، وليست من مسائل المادة التي يشق لها درب واحد ، فإنها إن كانت كذلك ، فهي قواعد علم لا تسبح في أجواء الفن ، أما التصوف ، فهو في مرحلة العلم يسمى بعلم السلوك ، وفي مرحلة الفن يسمى المنازلات ، ويرقى في مدارج الفن ، فيكون ذوق الحقائق ، وكاتب السلوك عالم ، يحصى الآداب ويسردها ، ويحدد معالم الطريق ، من جوع ، وستر ، وعزلة ، وصمت ، وذكر ، وأوراد ، ودرس علم ، وأدعية ، وقوانين يجب التزامها مع الشيخ ومع الإخوان ، إلى غير ذلك . ولهذا اللون منهج واحد ، لا يحيد عنه كاتب ، ولا يختلف فيه مؤلف عن مؤلف ، إلا بمقدار ما يحمل من ذوق العرض ، ووجوه الإغراء بالمذهب ، فإذا ما طبق الإنسان هذه القوانين على نفسه ، وأخذ بها في حياته ، عاد ما كان علما ، واستحال إلى فن تطبيق له منهجه الحر الذي لا تقيده قيود ، ومن هنا فلا مجال لصحة القول بأن الكتاب يختلف منهجه عن منهج قوت القلوب ، مما يشكك في نسبته إلى أبى طالب بالمكي . وإذا أجاز لنا أن نشك في إنتاج باحث من الباحثين ، إذا تغير منهجه في البحث تبعا لطبيعة الموضوع الذي يتحدث عنه ، أو تبعا لطبيعة ذوقه الذي يتلون بتلون المشاهد التي تتراود عليه ، إذا جاز لنا ذلك ، فإننا نشك حتما في مقطوعة موسيقية مدونة على الأوراق ، إذا سمعناها معزوفة على الآلات ؛ للاختلاف المنهجي ، ونشك في نسبة كتاب النصائح ، وكتاب اللوائح ، وكتاب حلية الأبدان ، وكتاب الخلوة للشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربى ؛ لاختلاف منهجه فيها عن منهجه في كتاب الفتوحات المكية ، وكتاب الفتوحات المدنية ، وكتاب عقله المستوفز مثلا ، وهو ما لم يقل به أحد على الإطلاق . إن أبا طالب المكي كما تروى عنه المراجع ، كان صاحب مجاهدات في أول أمره ، وفي آخر أمره كان صاحب مشاهدات ومكاشفات ، وكلا النهجين يختلف كل منهما عن الآخر ، فلا عجب أن كتاب قوت القلوب على منهج ، وعلم القلوب على منهج آخر ، والخلاف بين القوت والعلم واضح وضوح الفرق بين الطعام على المائدة ، وهو نفسه إذا استحال إلى دم يجرى في العروق ، وهو نفسه إذا استحال إلى خلايا وطاقة فعالة تفعل المعجزات .