أبي طالب المكي
66
علم القلوب
جلس ، ليس العالم الذي يضحك من غير عجب ، إنما العالم من طال حزنه وجد في الهرب والطلب . ليس العالم الطويل اللسان ، إنما كثير الإحسان ، ليس العالم ذا الوجهين ، إنما العالم ذو الجهدين ، ليس العالم من يصف الجنة والحور ويشوق إلى الغلمان والقصور ، إنما العالم من لا يظلم ولا يجور ، ولا ينطق بالكذب والفجور ، ليس العالم إذا علم أكل ونام ، إنما العالم الذي إذا علم تهجد بالليل والنهار صام ، ليس العالم من حفظ الأحاديث والأخبار ، إنما العالم من عد كلامه وخاف عقوبة الملك الجبار ، ليس العالم الذي يجمع الكتب والكراريس ، إنما العالم الذي يخاف أن يمكر به كما مكر بالشقى إبليس ، ليس العالم الذي يفتخر بكثرة الكلام ، إنما العالم الذي أسكته إجلال الملك العلام ، العالم هو الذي كلما ازداد علما ازداد تواضعا وحلما . كما قال عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه : تعلموا العلم ، وتعلموا بالعلم السكينة والحلم ، ولا تكونوا من جبابرة العلماء ، فلا يقوم علمكم بجهلكم . فالعالم هو الذي ينفق ماله على علمه ، وليس العالم الذي يكتسب المال بعلمه ، كما قال الجليل توبيخا لمن باع الكثير بالقليل ، وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ النحل : 95 ] ، ليس العالم الذي يزداد أمنا وراحة بزيادة علمه ، إنما العالم من يزداد خوفا بزيادة علمه ، كما قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « من ازداد علما ولم يزداد وجعا ، لم يزدد من اللّه بعلمه إلا بعدا ومقتا » . وقيل : عشرة أشياء قبيحة « 1 » ، وعشرة أصناف من الناس أقبح : الحرص على طلب الدنيا قبيح ، ولكن في العلماء أقبح ، والكبر قبيح ، ولكن في الفقراء أقبح ، والجور قبيح ، ولكن من الأمراء أقبح ، والكذب قبيح ، ولكن بين الأصدقاء أقبح ، والمخالفة قبيح ، ولكن بين الأحباء أقبح ، وقلة الحياء قبيح ، ولكن من ذوى الأحساب أقبح ، والشح قبيح ، ولكن في الأغنياء أقبح ، والضحك قبيح ، ولكن من الحكماء أقبح ، والمعصية قبيح ، ولكن من المشايخ أقبح ، والغدر قبيح ، ولكن من أهل الديانة أقبح . وسئل الجنيد ، رحمه اللّه : أي شئ أحسن في كلام العبد ؟ قال : الدعوة إلى اللّه
--> ( 1 ) في الأصل : قبيح .