أبي طالب المكي

58

علم القلوب

ونظر رجل إلى إسحاق بن راهويه وقد وضع قلنسوة على رأسه ، فقال له إسحاق : ما هذا النظر ؟ فو اللّه ما وضعتها « 1 » على رأسي حتى حفظت أربعين ألف حديث حفظا . وقال ابن عطاء في معنى قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً [ النمل : 15 ] ، علما بربه ، وعلما بنفسه ، فأثبت علمهم بأنه علمهم أنفسهم « 2 » ، وأثبت لهم علمهم بأنفسهم حقيقة العلم باللّه . قال أمير المؤمنين على ، رضى اللّه عنه : من عرف نفسه فقد عرف ربه . ويقال : إن يحيى وعيسى ، عليهما السلام ، كانا يصطحبان في السياحة ، فإذا بلغا باب قرية أو مدينة يقول عيسى : دلوني على أفجر رجل في هذه المدينة وأطغاه ، ويقول يحيى : دلوني على أبر رجل وأتقاه ، فيقول يحيى لعيسى : يا ابن خالة ، ما لك لا تنزل [ على ] الأبرار والأتقياء ؟ فيقول « 3 » : إنما أنا طبيب أعالج أهل البلوى ، وأداوى المرضى . وقال سهل بن عبد اللّه في معنى قوله عز وجل : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ [ بِالْخَيْراتِ ] [ فاطر : 32 ] ، قال : السابق العالم ، والمقتصد المتعلم ، والظالم الجاهل . وقال حكيم : لا تأخذ من الدنيا إلا ثلاثة أشياء تكن من الفائزين : خذ من الكنوز الحكمة تنفق منها « 4 » الليل والنهار ولا تنفذ ، وخذ من الزاد النقى تبلغ المنزل ، وخذ من التجارة الطاعة يعظم لك الربح غدا . وقال بعضهم في معنى قوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ . . . [ فاطر : 32 ] الآية : الظالم المجتهد « 5 » ، والمقتصد العالم بأحكام اللّه ، والسابق العالم باللّه وبأسماءه وصفاته .

--> ( 1 ) في الأصل : وضعته . ( 2 ) في الأصل : على أنفسهم . ( 3 ) في الأصل : قال . ( 4 ) في الأصل : منه . ( 5 ) كيف يكون المجتهد ظالما لنفسه ؟ وهو إن أخطأ فله أجر ، وإن أصاب فله أجران ، فهو مأجور في حالي الصواب والخطأ ، وإن قيل : إن ظلمه لنفسه ؛ لأنه شغل نفسه بعلم الظاهر ، فمن للأمة يرسم لها حدود دينها ، وينقذها من شكوك الحلال والحرام ؟ ولعل المقصود بالمجتهد الظالم هو الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد ، ويزج نفسه في ميدانه ، أو يجتهد في غير نطاق المذاهب المعترف بها .