أبي طالب المكي
59
علم القلوب
وقال ابن عطاء : العلم أربعة : علم المعرفة ، وعلم العبادة ، وعلم العبودية ، وعلم الخدمة . وقيل : الحكماء أطباء ، والقصاص صيادلة ، والعلماء زين ، ومجالستهم كرم ، والنظر إليهم عبادة ، والمشي معهم فخر ، ومخالطتهم عز ، والأكل معهم شفاء ، تنزل عليهم ثلاثون رحمة ، وعلى غيرهم رحمة واحدة ، هم أولياء اللّه ، طوبى لمن خالطهم ، جعلهم اللّه للناس شفاء ، فمن حفظهم لم يندم ، ومن خذلهم ندم . وقال الجنيد : العلم أرفع من المعرفة ، وأتم ، وأكمل ، وأشمل ، ولذلك تسمى اللّه بالعلم ، ولم يتسم بالمعرفة ، فقال : وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] « 1 » ، ثم لما خاطب النبي صلى اللّه عليه وسلم خاطبه بأتم الأوصاف ، وأكملها ، وأشملها للخيرات ، فقال : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] ، ولم يقل : فاعرف ؛ لأن الإنسان قد يعرف الشئ ولا يحيط به علما ، فإذا عرفه وأحاط به علما فقد علمه « 2 » . وقيل : اجتمع الحكماء فتكلموا بأربع كلمات ولم يقدروا على خامس منها : قالوا : رأس مال الرجل عمره ، ونعمته صحة بدنه ، وغناه قناعته ، وحسبه تقواه ، ولم يجدوا لها خامسا . وقال الواسطي : العلم حجة ، والمعرفة غلبة « 3 » غير محكوم بها .
--> ( 1 ) الآية : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] ، وليس فيها دلالة على تسمية اللّه تعالى نفسه بالعالم كما ذكر المكي ، والدليل الصريح قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ الأنعام : 73 ] ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [ الأنفال : 43 ] ، ولعل الدلالة في علمه تعالى بمراتب العلماء ، فهو بالعلم أعلم ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [ البقرة : 255 ] إلخ ، فالدلالة في الآية أن الذي يرتب العلماء درجات بعضهم فوق بعضهم ، لا بد أن يكون عليما . ( 2 ) معرفة اللّه تعالى أرقى أنواع المعرفة ، والطريق إليها يشمل فنون العالم كله ، ولما عرف اللّه نفسه لم يشرك معه إلا في هذه المعرفة إلا الملائكة والعلماء . قال تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] ، أما تسمية الأولياء بالعارفين باللّه ، فهي من باب التسامح . راجع أول مواقع النجوم لابن عربى . ( 3 ) وردت المعرفة بمعنى الفراسة في قوله تعالى : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] ، فمعرفة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وفراسته ليست من باب الغلبة غير المحكوم بها ، فعلمه ومعرفته وفراسته عين الحق ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [ النجم : 3 ] ، والحكم بالغلبة غير المحكوم بها ، يراد به كشف الأولياء حيث قالوا : إنه ليس بحجة .