أبي طالب المكي
57
علم القلوب
وقال الجنيد : إن اللّه جل ثناؤه أفهم سليمان مسألة من العلم ، فمن عليه بذلك وأعطاه الملك ، فلم يمن عليه ، وقال : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] ، بل أراه حقارته في أربعة « 1 » مواضع : حين سأله الملك واختار [ ه ] عرفه قلة ملكه وخسته ، وحين ألقى على كرسيه جسدا ، وحيث قال : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ [ ص : 36 ] ، أراه أن الملك الذي أعطاه ريح ؛ لأنه لا يدوم والملك هو الذي يدوم ، وحين قال له آصف [ بن برخيا ] ، وهو الذي عنده علم من الكتاب : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [ النمل : 40 ] ، وحيث قال : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] ، أي اعط من شئت لحقارته وخسته ، ثم قال في إعطاء العلم : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ [ الأنبياء : 79 ] . وقال ابن المبارك : من طلب العلم فهو في النقصان « 2 » ، ومن طلبه لغير اللّه ، فهو في الزيادة ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : إذا طلب للّه يكتفى منه باليسير ، فيقول : أحتاج مع هذا إلى عمل ، وإذا طلب للناس ، فهو في طلبه في الزيادة ، وفي عمله نقصان . وقال الحسين في معنى قوله عز وجل : الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [ الفرقان : 59 ] ، هم الذين أقامهم اللّه في البلاد أدلة للعبادة ، فمنهم من يدل على شرائع الآداب ، ومنهم من يدل على الحق ، وهو الدليل على الحقيقة ؛ لأن الكل محتاجون إليه ، وهو مستغن عنهم ، يرجعون إليه في السؤال ولا يسأل هو أحدا ، كالخضر ونظراته ؛ لأنه أوتى العلم اللدني . وقال الفضيل بن عياض : كان الرجل في بني إسرائيل لا يفتى ولا يتحدث حتى يتعبد سبعين سنة . وقيل لأحمد بن حنبل : إذا كتب الرجل مائة ألف حديث ، يحل له أن يفتى ؟ قال : لا ، قيل : فمائتى ألف حديث ، قال : لا ، قيل فثلاثمائة ألف « 3 » حديث ؟ قال : أرجو . وقال بعض السلف : من لم يعرف اختلاف العلماء ، لم يحل له أن يفتى ، ولا أن يتصدر ، ولا أن يسمى عالما .
--> ( 1 ) في الأصل : ثلاثة . ( 2 ) في الأصل : اليقضان . ( 3 ) المبالغة ظاهرة في العدد ، والصواب ثلاثة آلاف حسبما ذكرت كتب الأصول .