أبي طالب المكي

47

علم القلوب

وقال بعض المفسرين في معنى قوله تعالى : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [ الأنبياء : 79 ] ، قال : قسم اللّه العلم ، والحكمة ، والفهم ، والفراسة بين داود ، وسليمان ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، أعطى العلم والحكمة داود ، عليه السلام ، ولم يعطه الفهم والفراسة ، وأعطى سليمان العلم ، والحكمة ، [ والفهم ] ، ولم يعطه الفراسة ، وأعطى محمد صلى اللّه عليه وسلم العلم ، والحكمة ، والفهم ، والفراسة ، فقال في وصف داود وسليمان ، وشأن حكومتهما في أمر الحرث : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ، وَكُلًّا يعنى داود وسليمان ، آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ، وقال في وصف نبينا صلى اللّه عليه وسلم : فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] ، يعنى الفراسة الثاقبة « 1 » . وفيم أوحى اللّه إلى عيسى ، عليه السلام : يا عيسى ، ما أكثر العلماء ، وليس كلهم ينتفع بعلمه ، وما أكثر العاملين ، وليس كلهم متقبل عمله ، وما أكثر الشجر ، وليس كلها تثمر ، وما أكثر الثمر ، وليس كله بطيب ، وما أوسع الأرض ، وليس كلها يسكن فيه ، وما أكثر المتكلمين ، وليس كل كلامهم حق ، وما أكثر المياه ، وليس كلها عذبة ، وما أكثر الناس ، وليس كلهم مؤمنين . وهذا يدلك على أن المنافع في الأشياء هي مودعة في أقل أجزائها « 2 » ، إذ مساحة الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، منها أربعمائة سنة خراب بباب « 3 » ، فالعمران مسيرة مائة سنة ، فقس على هذا جميع الأنواع ، تقف على صحة ما أشرت إليه . وكان جميع الصحابة ، رضى اللّه عنهم ، علماء صالحين أتقياء أبرارا ، ومع هذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « خص كل واحد منهم بنوع من الفضل ، ويؤت كل ذي فضل فضله » . وقال في ذلك : « إن عويمر أبا الدرداء هو حكيم أمتي ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي بن كعب ، ومن أراد

--> ( 1 ) والمعرفة كذلك فَلَعَرَفْتَهُمْ ، ودليل إثباته العلم صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، وقد كان علمه ومعرفته عين الحكمة ، فقد بلغ منها أرقى المراتب صعودا ونزولا فيما وراء . ( 2 ) ومن هنا كان سلوك الصوفية على طريق التواضع ، وإيثار خمول الذكر وقد توسعوا في توضيح فضل هذا السلوك في أمهات كتبهم . ( 3 ) أرض بباب ، أي خراب ، يقال : خراب بباب .